السعودية تُخاطب الجيش… والإمارات تُبلّغ الدعم السريع بخطة جديدة لترامب
كود ٥٥
في وقتٍ يرزح فيه السودان تحت واحدة من أعقد وأطول الحروب في تاريخه الحديث، عادت الولايات المتحدة إلى واجهة المشهد السياسي الإقليمي عبر مبادرة جديدة تُنسب إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لإعادة تحريك ملف السلام السوداني، بعد أسابيع فقط من إخفاق مبادرتها السابقة في شرق الكونغو.
هذه المبادرة، التي يجري الترويج لها باعتبارها “خطة سلام شاملة”، تكشف في تفاصيلها عن تداخل إقليمي ودولي معقّد، وتثير في الوقت نفسه تساؤلات عميقة حول جدواها، وحدود واقعيتها، ومدى انخراط السودانيين أنفسهم في صياغة مستقبلهم.
إعلان في واشنطن… وغموض في الخرطوم
في الثالث من فبراير 2026، استضاف معهد السلام الأمريكي في واشنطن فعالية لصندوق السودان الإنساني، بتنظيم من مسعد بولس، كبير مستشاري وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون العربية والأفريقية، وبالتنسيق مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، توم فليتشر.
الفعالية، التي حضرها عدد من الدبلوماسيين العرب والأوروبيين، لم تكن مجرد لقاء إنساني، بل تحوّلت إلى منصة سياسية أعلن منها بولس عن التوصل إلى “نص مبدئي” لخطة سلام، صاغها ما يُعرف بالتحالف الرباعي: الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات.
قال بولس بثقة لافتة: “لدينا نص متوافق عليه بين أطراف الحوار الرباعي، وهذه خطوة أولى، تليها موافقة الأطراف المتحاربة”.
غير أن هذا الإعلان، على أهميته الظاهرية، كشف منذ اللحظة الأولى عن فجوة كبيرة: غياب الطرف السوداني الرسمي، وغياب منظمات المجتمع المدني، وغياب أي تمثيل حقيقي للأصوات القادمة من الداخل.
سلام بلا سودانيين؟
السفير السوداني لدى واشنطن، محمد إدريس، عبّر بوضوح عن هذا الغياب في حديثه لمجلة ذا أفريكا ريبورت، مؤكداً أن عدم دعوة السفارة السودانية ولا الفاعلين المحليين يُضعف أي جهد دولي، مهما حسنت نواياه.
وأشار إدريس إلى أن “هناك حقائق ميدانية لا يدركها معظم المشاركين”، وأن إيصال المساعدات الإنسانية، ناهيك عن تنفيذ خطة سلام، لا يمكن أن يتم دون تنسيق مباشر مع السلطات السودانية والهياكل المحلية.
هذا الرأي يتقاطع مع موقف حنين أحمد، مسؤولة الاتصال في مبادرة “غرف الاستجابة للطوارئ”، وهي شبكة تطوعية تعمل ميدانياً في إيصال المساعدات داخل السودان.
تقول أحمد إن أي حل دائم “لا بد أن ينطلق من إشراك الشعب السوداني”، مضيفة أن الوضع الأمني لا يزال هشاً إلى درجة تجعل حتى المناطق الهادئة ظاهرياً مسرحاً للاعتقالات والمراقبة والاستهداف، خاصة للمتطوعين والعاملين في المجال الإنساني.
أدوار إقليمية صامتة
بحسب مصادر سودانية تحدثت لـذا أفريكا ريبورت، فإن الخطة الأمريكية لم تُقدَّم بشكل مباشر للطرفين المتحاربين، بل جرى تمريرها عبر قنوات إقليمية:
- السعودية أبلغت حلفاءها في القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
- الإمارات أطلعت قيادة قوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
ورغم حساسية هذا الدور، لم تُصدر الرياض ولا أبوظبي أي تعليق رسمي، ما يعزز الانطباع بأن المشاورات تُدار خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن أعين الرأي العام السوداني.
خمسة محاور… على الورق
خلال جلسة لاحقة، عرض بولس الخطوط العريضة للخطة، محدداً خمسة محاور رئيسية:
- هدنة إنسانية شاملة.
- حماية المدنيين وضمان العودة الآمنة للاجئين والنازحين.
- وقف دائم لإطلاق النار.
- عملية انتقال سياسي تُفضي إلى حكومة مدنية.
- إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار.
وأكد بولس أن الخطة، حال اعتمادها، ستُعرض على مجلس الأمن الدولي، مشيراً إلى اهتمام “مجلس السلام” التابع لإدارة ترامب بتوفير دعم سياسي ومالي كبير لها.
الأمم المتحدة… دعم حذر
توم فليتشر، المسؤول الأممي الرفيع، أبدى ترحيباً واضحاً بالمبادرة، معتبراً أنها فرصة لـ“كسر دائرة اليأس” التي تحيط بالأزمة السودانية منذ أكثر من ألف يوم.
وشدد فليتشر على أن الخطة الأمريكية لا تشكّل بديلاً عن الأمم المتحدة، بل “تكملة” لجهودها، نافياً وجود أي تضارب مؤسسي.
لكن هذا الدعم الأممي لم يكن معزولاً عن سياق مالي ضاغط، في ظل تراجع التمويل الإنساني العالمي، واحتياج الأمم المتحدة إلى شركاء قادرين على ضخ أموال سريعة.
المال… لغة السياسة الخفية
في هذا السياق، عرضت إدارة ترامب تمويلاً عاجلاً بقيمة ملياري دولار لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ضمن اتفاقية وُقّعت سراً في جنيف نهاية ديسمبر الماضي.
ورغم أن الاتفاقية تشمل 17 دولة، من بينها السودان، فإن نصيب الخرطوم لا يتجاوز 200 مليون دولار، في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى احتياج إنساني يفوق ذلك بأضعاف.
المؤتمر شهد أيضاً تعهداً إماراتياً بتقديم 500 مليون دولار كمساعدات إنسانية، أعلنته وزيرة الدولة لانا نسيبة.
غير أن هذا التعهد أثار جدلاً واسعاً، في ظل اتهامات دولية سابقة للإمارات بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم إبادة.
شكوك وانتقادات
الطابع العاجل وغير المنظم للمؤتمر، وغياب وفود رفيعة من عواصم مؤثرة، غذّى موجة انتقادات حادة، أبرزها ما كتبه كاميرون هدسون، المسؤول الأمريكي السابق عن ملف السودان، الذي اعتبر أن واشنطن “تتواطأ في التستر” حفاظاً على علاقتها مع أبوظبي، حتى وإن جاء ذلك على حساب فرص وقف إطلاق النار.
خاتمة: سلام مؤجّل؟
بين النصوص المُعلنة في واشنطن، والواقع الدموي في مدن السودان وقراه، تبدو خطة ترامب الجديدة عالقة في المنطقة الرمادية ذاتها التي ابتلعت مبادرات سابقة.
فمن دون إشراك السودانيين، وضمان حماية المدنيين فعلياً، ووقف التدخلات الإقليمية المتناقضة، سيظل السلام حبيس الورق، مهما تعددت المؤتمرات وتضخمت الأرقام.
المصدر: أفريكا ريبورت