أخبار السوداناخبار

دبي ملاذٌ عقاري لعائلة دقلو.. تقرير يكشف شبكة أصول بـ24 مليون دولار مرتبطة بقيادات الدعم السريع وطه عثمان!

 

في تطور جديد يعمّق الشبهات حول شبكات التمويل والأعمال المرتبطة بقوات الدعم السريع السودانية، كشفت منظمة ذا سنتري الأمريكية المتخصصة في تتبع الفساد العابر للحدود وتمويل النزاعات، عن امتلاك أفراد من عائلة قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، إلى جانب شخصيات وشركات خاضعة لعقوبات دولية، محفظة عقارية ضخمة في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، تتجاوز قيمتها 24 مليون دولار أمريكي. ويضع هذا الكشف دبي مرة أخرى في قلب الاتهامات المتعلقة بتوفير بيئة آمنة لإخفاء الأصول والاستثمارات المرتبطة بأطراف الصراع السوداني.

التقرير، الذي صدر في أبريل 2026، استند إلى مراجعة عقود وفواتير شراء وإيجار وسجلات عقارية إماراتية مسرّبة، فضلًا عن بيانات هواتف ووثائق سفر ومستندات شركات، ما أتاح للمنظمة تتبع خيوط الملكية وربطها بأفراد من الدائرة العائلية المباشرة لحميدتي وشقيقيه عبد الرحيم والقوني حمدان دقلو، وجميعهم خضعوا خلال الأعوام الأخيرة لعقوبات أمريكية وأوروبية وأممية على خلفية اتهامات بتمويل الحرب وارتكاب انتهاكات واسعة في السودان. ووفقًا للتحقيق، فإن الشبكة العقارية تضم أكثر من عشرين عقارًا ما بين شقق سكنية فاخرة، فلل داخل مجمعات مغلقة، مكاتب تجارية، وأراضٍ في مشاريع عقارية راقية.

ويشير التقرير إلى أن جزءًا معتبرًا من هذه الأصول مسجل باسم شركة Prodigious Real Estate Management Supervision Services، وهي شركة إدارة عقارية مقرها دبي، وصفها التحقيق بأنها واحدة من الواجهات الاستثمارية المستخدمة في إدارة ممتلكات مرتبطة بعائلة دقلو. وتُقدّر قيمة الأصول التي تديرها هذه الشركة وحدها بنحو 10.3 مليون دولار، بينها ثلاث شقق ومكتب، فضلًا عن فيلتين فاخرتين جرى شراؤهما خلال عام 2022 في مجمع سكني خاص قرب حلبة “ميدان” الشهيرة للسباقات، وتحتوي كل منهما على ست غرف نوم وتجاوزت قيمتهما مجتمعتين خمسة ملايين دولار. وتلفت المنظمة إلى أن ملكية هذه الشركة كانت تعود في وقت سابق إلى شخصية سودانية مرتبطة بتمويل قوات الدعم السريع قبل أن تنتقل إلى واجهات أخرى، في نمط وصفته المنظمة بأنه يهدف إلى إبعاد الصلة المباشرة بالأسماء المعاقبة دوليًا.

إعلان

لكن ما يثير الانتباه أكثر من مجرد وجود هذه الأصول، هو الطريقة التي تكشّف بها التقرير عن تحول أحد المجمعات السكنية الراقية في منطقة “ميدان” إلى ما يشبه “المركز العائلي” لعائلة دقلو. فبحسب الوثائق، استأجر القوني حمدان دقلو في أكتوبر 2022 فيلا فاخرة داخل المجمع مقابل 144 ألف دولار سنويًا، ثم لحقت به في العام التالي فاطمة آدم حمدان – التي ترجح المنظمة أنها زوجة عبد الرحيم دقلو – باستئجار فيلا مقابلة، وفي أكتوبر 2024 استأجرت رقية يعقوب إسماعيل علي – التي يُعتقد أنها زوجة القوني – فيلا مماثلة في الموقع ذاته. كما اشترت زهرة عبد الرحيم حمدان دقلو شقة داخل المجمع نفسه بقيمة 1.2 مليون دولار، ما يكشف عن نمط واضح من التمركز السكني المتقارب لأفراد العائلة في حي واحد عالي التحصين والخصوصية.

ويمتد التوسع العقاري – بحسب التقرير – إلى زوجة حميدتي آمنة موسى يوسف، التي اشترت في أكتوبر 2023 قطعة أرض داخل مشروع فاخر قيد الإنشاء قرب نادي ترامب الدولي للجولف في دبي بقيمة 850 ألف دولار، في مؤشر على أن الاستثمار لا يقتصر على شراء وحدات جاهزة فقط، بل يشمل أيضًا رهانات طويلة الأجل في سوق التطوير العقاري الإماراتي. كما كشف التحقيق عن امتلاك شقيق آخر لحميدتي – لا يخضع للعقوبات حاليًا – شقة في منطقة “قرية جميرا” تقدر بنحو 1.2 مليون دولار، ما يعني أن الأصول موزعة على أكثر من اسم وأكثر من مستوى عائلي لتقليل المخاطر القانونية.

ولا تتوقف الشبكة عند عائلة دقلو وحدها؛ إذ يفرد التقرير مساحة واسعة للأفراد الخاضعين للعقوبات الدولية الذين يملكون بدورهم عقارات في دبي على صلة مباشرة بمنظومة الدعم السريع. من بين هؤلاء مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد، المصنف أوروبيًا باعتباره المستشار المالي للقوات، والذي يمتلك شقة في برج خليفة تبلغ قيمتها نحو 700 ألف دولار. كذلك يبرز اسم طه عثمان أحمد الحسين، مدير مكتب الرئيس السوداني السابق عمر البشير، والذي تصفه المنظمة بأنه تحول إلى “مهندس علاقات” بين الدعم السريع وبعض الدوائر الإقليمية؛ وتشير البيانات إلى أن محفظته العقارية في دبي تبلغ حاليًا نحو 13 مليون دولار. وبذلك ترتفع القيمة الإجمالية للعقارات المملوكة لأشخاص خاضعين للعقوبات بسبب ارتباطهم بالدعم السريع إلى حوالي 14 مليون دولار ضمن الرقم الكلي المرصود.

هذا التشابك بين العائلة، والواجهات التجارية، والأفراد المعاقبين، يدفع التقرير إلى استنتاج سياسي ومالي بالغ الحساسية: أن الإمارات لم تعد – وفقًا لما تقوله المنظمة – مجرد ساحة مالية محايدة تستقبل رؤوس الأموال، بل أصبحت بحكم الواقع “ملاذًا آمنًا” لعائلات قادة الدعم السريع وثرواتهم، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات الدولية لأبوظبي بتقديم أشكال متعددة من الدعم غير المباشر للقوات. ويذكّر التحقيق بأن هذا التقرير هو الإصدار الرابع في سلسلة أعدتها “ذا سنتري” عن الشبكات التجارية للدعم السريع في الإمارات، بعدما كشفت تقارير سابقة عن شركات تعمل كأذرع اقتصادية للمليشيا، وعن رجال أعمال إماراتيين على صلة بترتيبات لوجستية وعمليات تجنيد ووساطة، فضلًا عن تقارير صحفية دولية تحدثت عن تدفقات سلاح وذهب ومعدات عبر مسارات إقليمية معقدة.

ومن الزاوية القانونية، يوجّه التقرير انتقادًا حادًا لسوق العقارات في دبي، معتبرًا أنه لا يزال يشكل ثغرة مركزية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل النزاعات، رغم إعلان مجموعة العمل المالي FATF إخراج الإمارات من القائمة الرمادية خلال 2024. فبحسب المنظمة، أظهرت الوقائع أن عمليات شراء بملايين الدولارات جرت لصالح شخصيات ذات صلة مباشرة بالحرب السودانية دون أن تظهر إجراءات تدقيق فعالة على مصادر الأموال أو صفة المشترين كأشخاص معرّضين سياسيًا. كما أن استمرار تسجيل الأصول عبر شركات إدارة وعقود إيجار معقدة يطرح تساؤلات حول مستوى الامتثال الحقيقي داخل القطاع العقاري الإماراتي.

وفي ختام التحقيق، دعت “ذا سنتري” الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة العقوبات لتشمل شركة Prodigious والكيانات المرتبطة بها، وفتح تحقيقات مالية موسعة بشأن جميع العقارات المسجلة باسم أفراد عائلة دقلو أو الشركات المتصلة بهم، مع تشديد الرقابة الدولية على التدفقات المالية المتجهة إلى سوق دبي العقاري. كما طالبت مجموعة العمل المالي بإعادة تقييم مدى التزام الإمارات الفعلي بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خاصة في ما يتعلق بالأموال القادمة من مناطق النزاعات.

 

 

وبينما تنفي عائلة دقلو – وفقًا لما نقله التقرير – ارتكاب أي مخالفات وتؤكد أن ممتلكاتها تم الحصول عليها بطرق قانونية ومن خلال أنشطة تجارية خاصة، فإن حجم الأصول المكتشفة، وتزامنها مع سنوات الحرب والعقوبات، وطبيعة تمركزها داخل واحدة من أكثر الأسواق العقارية سرية في العالم، يجعل من هذا التحقيق أحد أخطر الملفات التي تربط بين الحرب السودانية وشبكات المال العابرة للحدود، ويفتح الباب واسعًا أمام سؤال لا يزال مطروحًا: إلى أي مدى تُستخدم الثروة العقارية في دبي كخزان حماية لنفوذ قادة الحرب في السودان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى