أخبار السوداناخباراقتصادمقالات

مستقبل القطن السوداني… بين حوكمة التجربة البرازيلية وقيمة بنغلاديش المضافة

 

د. الهيثم الكندي يوسف

منذ تأسيس مشروع الجزيرة عام 1925، اصبح القطن المحصول النقدي الرئيس في السودان، فكان بمثابة الرافعة الهيكلية للدولة بعد الاستقلال. ففي العقود الأولى للدولة الوطنية شكل القطن حوالي 70% من عائدات النقد الأجنبي، ومول ما يربو على نصف الموازنة العامة. حيث كان العامل الأساسي لثبات سعر الصرف، والضامن لتمويل الخدمات العامة كالصحة والتعليم، مما جعله الركيزة الأساسية للأمن الاقتصادي. فيما تدهور الإنتاج خلال العشر سنوات الاخيرة، إذ لم يتخطي الصادر منه حاجز ال 100 مليون دولار، فيما عدا الطفرة التي تحققت في موسم 2021 – 2022 ليصل إلي 384 مليون دولار، وهي أرقام ضعيفة بالمقارنة مع الموارد التي يمكن استغلالها في هذا الجانب.

 

إعلان

 

 

اما من ناحية القوانين المنظمة لانتاج القطن، فقد مرت القوانين الزراعية بـتحولات متعددة قامت بتشكيل علاقات الإنتاج.

 

 

ففي الحقبة الاستعمارية وما بعدها كانت إدارة مشروع الجزيرة هي من تدير الدورة الزراعية والتمويل والتسويق، إلي ان جاء قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 متبنيا شعار الحرية الاقتصادية، فقام بتفكيك الإدارة المركزية وإلغاء الهندسة الزراعية وتحميل المزارع عبء التمويل والري الفردي، حيث تحول المشروع من وحدة إنتاجية متكاملة إلى حيازات خاصة، واعطي المزارع حرية إختيار محاصيله الزراعية.

 

 

 

ولسوء الحظ صادف ذلك إنهيار في أسعار القطن مما أدي إلي احجام المزارعين عن زراعته لصالح محاصيل اخري، مما ادي لتراجع المساحات المزروعة بالقطن.

 

 

كذلك الحال بالنسبة للصادر ومسؤولية الاجسام التي تقوم بالعملية، إذ تقلب صادر القطن عبر مرحلتين متناقضتين:

 

 

مرحلة الاحتكار (شركة السودان للأقطان): كانت الدولة تحتكر التسويق، مما وفر قوة تفاوضية في الأسواق العالمية وقدرة على وسم القطن السوداني بماركات موثوقة. الا ان البيروقراطية كانت عائقا كبيرا في تطور قطاع القطن أو التفكير في تطوير الصناعات المرتبطة به.

 

 

 

فك الاحتكار والحرية الكاملة: أدى إلى دخول وسطاء ومصدرين غير مؤهلين، مما تسبب في مضاربات أثرت سلباً علي الأسعار، فضلاً عن تسرب حصائل الصادر خارج النظام المصرفي، ليتحول التحرير الاقتصادي إلي ضرر للاقتصاد الكلي بدلاً عن الفلسفة التي كانت تؤمل في جعل الحرية حافزا في دفع الإنتاج والعائد منه للفرد والدولة.

 

 

 

عالمياً واجه القطن تحدي صعود الألياف الصناعية (البوليستر المشتق من البتروكيماويات) منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي امتازت بقلة التكلفة وسهولة التصنيع، مما خلق ضغطاً مستمراً على الأسعار العالمية لتتأرجح تاريخياً بين 70 و 90 سنتاً للرطل (مع بعض الطفرات الاستثنائية).

 

 

 

لهذا السبب يرتبط القطن طردياً بأسعار النفط، فكلما ارتفع النفط زادت تكلفة البوليستر، مما يمنح القطن الطبيعي ميزة تنافسية في ظل ازمة أسعار النفط، وهو ما يستدعي استغلال طفرات الأسواق الحالية التي تقترب من 90 سنتاً للرطل.

 

 

يواجه القطن السوداني حاليا مصفوفة تحديات ومهددات اهمها:

تدهور البنية التحتية: إذ تعاني المشاريع المروية في الجزيرة والرهد إنهيارا في قنوات الري وغيابا للصيانة.

 

 

أزمة المدخلات والتمويل: إن الاعتماد على أسمدة مستوردة بأسعار متقلبة وتذبذب التمويل للمزارعين. أدي إلي إرتفاع التكلفة الإنتاجية، كذلك يواجه المزارع عدم توفر المدخلات في الوقت المناسب مما يوثر علي مستويات الانتاج (الزراعة مواقيت).

 

 

تراجع الجودة: الخلط بين السلالات حيث أدي (التحول العشوائي نحو القطن المحور وراثياً قصير ومتوسط التيلة) إلي ان يفقد القطن السوداني سمعته التاريخية المتميزة بالوفرة والجودة.

 

 

بالمقارنة مع التجربة البرازيلية (البن نموذجاً) عندما واجه البن البرازيلي أزمات وتحديات تقارب ما واجهه القطن السوداني بدءا من نذبذب الاسعار والمناخ انتهاء بتراجع الجودة، إلا ان الارادة البرازيلية لم تستسلم لكل ذلك، بل أجرت جراحة هيكلية عبر:

 

 

 

الميكنة العالية والبحث العلمي: حيث قامت بتطوير سلالات هجينة تقاوم الجفاف والآفات. وكذلك استخدام التقانات الزراعية الحديثة، مما قلل التكلفة ورفع من مستوي الانتاج.

 

 

 

حوكمة الصادرات: تم إنشاء مجلس موحد يراقب الجودة، ويتحكم في تدفق شحنات الصادر للحفاظ علي مستويات العرض، ويوجه الإنتاج نحو المحصول ذو القيمة العالية عوضاً عن التجاري الرخيص. مما يحقق الأسعار الجيدة للمنتحين.

 

 

بإتباع البرازيل لهذه السياسات، عظمت قيمة صادراتها من القطن لتتراوح بين 12 إلي 15 مليار دولار أمريكي للعام خلال الخمس سنوات الأخيرة.

يمكن للسودان تطبيق تجربة البرازيل عبر تحويل المشاريع المروية كالجزيرة والرهد والسوكي وحلفا الجديدة إلى مزارع تدار بالميكنة الكاملة، وتأسيس مجلس أعلى للقطن يربط مراكز البحوث الزراعية بأسواق التصدير.

 

 

وهنا يمكننا الدفع بتوصيات استراتيجية من شأنها ان تساعد في سد عجز الميزان التجاري وكبح التضخم لتحويل القطن إلى أداة لتثبيت العملة الوطنية، وذلك عبر الآتي:

 

 

إعادة صياغة قانون 2005: عبر هذا يمكن استعادة دور الدولة كمنظم ومخطط استراتيجي مع الحفاظ على ملكية المزارع، وإعادة تأهيل الهندسة القومية للري.

 

 

إلزامية حصائل الصادر عبر بورصة وطنية: إنشاء بورصة للقطن في الخرطوم أو بورتسودان، تمنع التصدير العشوائي، وتجبر المصدرين على توريد الحصائل بالدولار للبنك المركزي مقابل سعر صرف عادل، مما يساهم مباشرة في توازن الميزان التجاري.

 

 

التحول نحو القيمة المضافة (التصنيع المحلي): حظر تصدير القطن الخام تدريجياً، ودعم مصانع الغزل والنسيج المحلية لتصدير خيوط ومنسوجات وملابس جاهزة، مما يضاعف العائد لكل طن بنسبة تصل إلى أكثر من 300%. حيث أن دول مثل بنغلاديش التي لاتنتح القطن وبفضل صناعة المنسوجات القطنية والملابس الجاهزة اصبحت تصدر منتجات للسوق العالمي بقيمة تتجاوز في المتوسط 40 مليار دولار أمريكي للعام (وفقاً للبيانات الممتدة بين الأعوام 2021 _ 2025). ولديها خطة لرفع ذلك الي 100 مليار دولار بحلول عام 2030. وكذا الحال بالنسبة لدولة مثل فيتنام، والتي تتشابه ارقامها مع ما اوردناه في مثال بنغلاديش.

 

 

 

تأسيس محفظة تمويل للأسمدة والمبيدات والخيش: إذ ان توفير المدخلات بأسعار عادلة عبر تعاقدات دولية مباشرة، يساعد في تقليل تكلفة الإنتاج على المزارع وضمان وفرة المحصول. ويمكن ان تتشكل هذه المحفظة من وزراة المالية والبنك المركزي والبنك الزراعي وعدد من المصارف الاخري.

 

 

لقد اصبح إعادة البريق للقطن السوداني ضرورة اقتصاديّة ملحة ومسار آمن للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية. كما إن استلهام التجارب الدولية الناجحة كالتجربة البرازيلية والبنغلاديشية والتحول الجريء نحو حوكمة الصادرات والتصنيع المحلي لحصاد القيمة المضافة، كفيل بتحويل هذا المحصول التاريخي من مجرد مادة خام تباع بأسعار متقلبة، إلى رافعة حقيقية تقود نمو الاقتصاد السوداني، وتثبت العملة الوطنية، وتضع البلاد في مكانها الطبيعي على خارطة التجارة العالمية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى