اخبار السودان

شهدت مواجهات كبيرة ..ما الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الطينة الحدودية؟

0 347

تشهد الحدود الغربية للسودان تطوراً عسكرياً متسارعاً مع تجدد المعارك في منطقة الطينة الحدودية، حيث أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح تصديها لهجوم شنّته قوات الدعم السريع مدعومة بعناصر تتبع للطاهر حجر، مؤكدة تكبيد المهاجمين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. وجاء هذا الإعلان بعد ساعات فقط من بيان صادر عن قوات الدعم السريع أكدت فيه سيطرتها الكاملة على الطينة، في تطور يعكس احتدام الصراع على واحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية على الشريط الحدودي مع تشاد.

وتقع الطينة في المثلث الحدودي المتداخل بين السودان وتشاد، وتشكل بوابة عبور تاريخية نحو إقليم دارفور، كما تمثل نقطة تماس أمني واقتصادي ذات تأثير مباشر على مسارات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ومنذ اندلاع النزاع، تحولت المنطقة إلى مسرح مواجهات متكررة، نظراً لأهميتها اللوجستية وقدرتها على ترجيح كفة أي طرف يفرض سيطرته عليها.

صراع البيانات والواقع الميداني

التناقض بين إعلان الدعم السريع السيطرة الكاملة على الطينة، وبيان الجيش والقوة المشتركة حول صد الهجوم واستعادة زمام المبادرة، يعكس طبيعة الحرب الإعلامية الموازية للمعارك على الأرض. ففي الحروب الممتدة، لا تكون السيطرة مجرد رفع علم فوق مبنى إداري، بل تعني إحكام الطوق على الطرق الحيوية وخطوط الإمداد والقدرة على الصمود أمام الهجمات المضادة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الطينة لم تكن يوماً هدفاً تكتيكياً عابراً، بل تمثل نقطة ارتكاز رئيسية لأي تحرك عسكري في شمال دارفور. فالسيطرة عليها تمنح أفضلية في مراقبة التحركات العابرة للحدود، وتفتح أو تغلق مسارات الإمداد القادمة من العمق التشادي أو الليبي.

أهمية أمنية تتجاوز الجغرافيا

من الناحية الأمنية، تُعد الطينة عقدة ربط استراتيجية بين شمال دارفور وشرق تشاد. وقد شكلت خلال الحرب الحالية مركزاً لاستنزاف الطرفين، إذ خاضت فيها القوات المتحاربة جولات متكررة من الكر والفر، ما أدى إلى إنهاك الموارد البشرية واللوجستية.

كما مثلت المنطقة عمقاً استراتيجياً للقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح المتحالفة مع الجيش، وعلى رأسها الحركات التي يقودها جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، وهما من أبرز قيادات إقليم دارفور وينتميان إلى مكون اجتماعي له امتداد تاريخي في المنطقة. هذا الامتداد يمنح الطينة بعداً سياسياً واجتماعياً يتجاوز كونها مجرد بلدة حدودية.

وفي المقابل، فإن سيطرة الدعم السريع على الطينة – إن تحققت فعلياً وثبتت ميدانياً – قد تمنحها متنفساً استراتيجياً مهماً، إذ تتيح إعادة توزيع جزء من قواتها المنخرطة في القتال هناك إلى جبهات أخرى، خاصة في إقليمي كردفان ووسط السودان، وهو ما قد ينعكس على مجمل توازنات الحرب.

خلفية تاريخية ذات دلالات

الطينة ليست مجرد نقطة حدودية حديثة الأهمية، بل لعبت أدواراً محورية في تاريخ المنطقة. فقد شكلت معبراً رئيسياً لتحركات عسكرية تاريخية داخل تشاد، ويُشار إلى أنها كانت نقطة انطلاق أساسية خلال الصراعات التشادية التي أوصلت الرئيسين السابقين حسين حبري وإدريس ديبي إلى العاصمة أنجمينا في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد. هذه السابقة التاريخية تعكس قيمة الطينة كمنصة تحرك عسكري إقليمي، وليس فقط سوداني داخلي.

أهمية جغرافية واقتصادية مزدوجة

جغرافياً، تنقسم الطينة إلى شطرين: أحدهما داخل السودان ويتبع إدارياً لولاية شمال دارفور، والآخر داخل تشاد ويتبع لولاية وادي فيرا. ويفصل بين الشطرين وادٍ موسمي صغير يُعرف بوادي “أب سون”، وهو فاصل طبيعي لا يمنع التداخل الاجتماعي والتجاري بين الجانبين.

اقتصادياً، تمثل الطينة مركز ثقل حيوي لتجارة الإبل والماشية، إضافة إلى كونها سوقاً رئيسياً للتبادل التجاري بين السودان وتشاد وليبيا. ويعتمد عدد كبير من السكان المحليين على النشاط التجاري العابر للحدود، سواء في الإطار الرسمي أو غير الرسمي. لذلك، فإن أي تغير في السيطرة العسكرية ينعكس مباشرة على حركة الأسواق وأسعار السلع وتدفق المواشي.

ويخشى مراقبون من أن تؤدي المعارك المتكررة إلى شلل اقتصادي كامل في المنطقة، ما يزيد من معاناة المدنيين الذين يواجهون أصلاً ظروفاً إنسانية معقدة بسبب الحرب المستمرة في دارفور.

البعد الاجتماعي والسياسي

تتمتع الطينة بأهمية خاصة لمجموعة الزغاوة، التي تعد من المكونات الاجتماعية المؤثرة في الإقليم، وينتمي إليها عدد من القيادات السياسية والعسكرية البارزة. هذا البعد الاجتماعي يمنح الصراع حول الطينة حساسية إضافية، إذ يرتبط بالتمثيل السياسي وموازين النفوذ داخل دارفور.

ويرى محللون أن المعركة في الطينة لا تُقرأ فقط في سياقها العسكري، بل أيضاً في سياق إعادة ترتيب التحالفات داخل الإقليم، ومحاولة كل طرف تثبيت حضوره في مناطق النفوذ التقليدية للآخر.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

إذا تمكن الجيش والقوة المشتركة من تثبيت سيطرتهما على الطينة، فإن ذلك سيعني قطع أحد أهم المسارات التي قد تستفيد منها قوات الدعم السريع في التحرك غرباً، وسيمنح الحركات المتحالفة مع الجيش زخماً سياسياً ومعنوياً. أما إذا استطاعت الدعم السريع ترسيخ وجودها هناك، فقد يعيد ذلك رسم خريطة العمليات في دارفور، ويفتح الباب أمام تحركات أوسع في شمال الإقليم وربما باتجاه كردفان.

لكن في كل الأحوال، تبقى الطينة عنواناً لمعركة أوسع من حدودها الجغرافية. فهي نقطة تماس بين مشروعين عسكريين، ومفترق طرق بين حسابات داخلية وإقليمية، ومؤشر على أن الحرب في السودان لم تعد صراعاً على العاصمة وحدها، بل باتت معركة مفتوحة على تخوم الحدود، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الامتدادات الإقليمية.

ومع استمرار الكر والفر، تظل الطينة اختباراً لقدرة كل طرف على الصمود في حرب استنزاف طويلة، يتداخل فيها العسكري بالسياسي، والاقتصادي بالأمني، في مشهد يعكس تعقيدات الأزمة السودانية وتشابكاتها العابرة للحدود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا