
عادل الباز يكتب.. الخائن العام لمهنته.. كنت عبر هذه الزاوية، قبل نحو ثلاثة أسابيع، ناشدت السيد المراجع العام ليفرج عن تقرير عام 2025، ولكن السيد المراجع لا يسمع ولا يرى.. بل “صهين” وظن أن الموضوع سيُنسى، وخلاص “يا دار ما دخلك شر”، والشر كله يكمن في تقاريره المخفية.
لا أدري ماذا ينتظر السيد المراجع وقد بدأت “البلاوى” المسربة تأخذ طريقها إلى الأسافير، وسيجد التقرير المخفي كاملاً يوماً طريقه إليها. لقد تسربت حتى الآن قضية “شركة” الأقطان وقضية مشتريات بعض الجهات الحكومية، وتسرب ملف بنك النيلين، وغداً ستتسرب ملفات أخرى. فالأوفق أن يبادر المراجع، بموجب سلطة قانونه نفسه، بنشر التقرير.
إن التمادي في إخفاء تقارير تضج بالفساد هو اعتراف ضمني بوجود شر مستطير ينهش في جسد الدولة، ويؤكد الشكوك بأن السلطة لا يعنيها سوى حماية نفسها، تاركةً المواطنين يواجهون أهوال تردي الأوضاع الاقتصادية في وقت وتنهب فيه أموالهم وهم مغيبون.
تُرى فما الذي يدعو المسؤولين لدفن الحقائق؟ يا أيها “الخائن العام” لمهنته سنستمر في المطالبة بنشر التقرير ؛ لأن ذلك ببساطة من حقنا، وحق الشعب أن يعرف من نهب أمواله وماذا فعلت الدولة.. يكفى الشعب مانهبته المليشيا وللأسف تنبت الان مليشيات من النهابة اشد خطر من نهابه مليشيا حميدتى.
تحقيقات المستهبلين
تحت عنوان “السفراء الغربيون يشددون الخناق على اقتصاد الحرب”، كشفت مجلة “أفريكا إنتلجنس” في عددها الأخير 19 مايو 2026 أن بعثات دبلوماسية غربية كلفت مجموعات من الخبراء بالتحقيق في كيفية مساهمة بعض القطاعات الاقتصادية في دعم أطراف الحرب في السودان. وقد تشكل نتائج هذه التحقيقات أساساً لعقوبات مستقبلية. وأضافت: “إنه خلال اجتماع عُقد في أديس أبابا يوم 14 مايو 2026، أُدرج ملف اقتصاد الحرب ضمن جدول الاجتماعات الدورية التي تضم سفراء ومبعوثين خاصين”. ثم قالت إن “النقاشات تركزت على الكيفية التي تموّل بها قطاعات الذهب والصمغ العربي الحرب”!!
انظروا إلى هؤلاء “المستهبلين”. فبعد ثلاث سنوات من الحرب، اكتشفوا لتوهم أن الحرب تُموَّل من الذهب والصمغ العربي! رغم أن تقارير المؤسسات الدولية لم تتوقف، ومنها تقرير “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة “سنترى” وتقرير “تشاتام هاوس”. كل هذه التقارير التي صدرت في بلدانهم لم يسمعوا بها، وهبّوا الآن فجأة ليكلفوا مجموعات بحثية تحقق لهم في مصادر تمويل الحرب!
هذه أولى المضحكات في قصة الدبلوماسيين تلك، والثانية هي قصة الصمغ العربي الذي يمول الحرب. ومعلوم من التقارير الرسمية أن صادرات الصمغ العربي بلغت قيمتها 48.1 مليون دولار في 2025، وتاريخياً لم تتجاوز صادراته 150 مليون دولار.
فكيف يمكن للصمغ العربي تمويل حرب يومية تكلفتها تقارب 500 مليون دولار في بعض التقديرات، وأقل تقدير كان بين 70 إلى 100 مليون يومياً؟ وهذا الصمغ الذي يمول الحرب يُصدر إلى أوروبا وأمريكا (في العام، يستورد الاتحاد الأوروبي نحو 72 ألف طن فقط من الصمغ العربي في 2024)، أي بلاد “السادة المبعوثين” أنفسهم، بمعنى آخر أن الذين يمولون الحرب هم الغربيون أنفسهم الذين “يبحثون” عن الممول!
ما يجعلك تضحك أكثر أن هؤلاء المبعوثين يعرفون تماماً أن المليشيا نهبت مئات الأطنان وتسرق حتى اليوم الذهب من مناجم منطقة “سنقو”. الفرق بين ذهب المليشيا أنه يمول حرب التمرد، وبين ذهب الدولة الذي يمول قطاعاتها كافة، فكيف تجري مساواة موارد مليشيا تنهب الذهب وبين دولة تستخدمه لصالح شعبها في كل القطاعات؟
الحقيقة أن كل هذا التهريج المضحك يهدف للتغطية على الممول الحقيقي للحرب، والذي يعرفونه مثل “جوع بطونهم”.. يعرفون أن الإمارات هي من تمول الحرب بحسب تقاريرهم الاستخباراتية وبحسب لجان الأمم المتحدة وبحسب تحقيقات الصحف الغربية نفسها، ولكنهم يتعامون عن هذه الحقيقة الواضحة، ويدلسون ويبحثون عن مصادر أخرى لتلفت الأنظار بعيداً عن الممول الحقيقي. وأخشى أن يصدر تقرير المجموعات البحثية التي كلفوها بنتيجة تؤكد أن الممولين للحرب هم “الإسلاميون”!
خذلان العالم
بالأمس أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الأزمة الإنسانية في السودان تواصل التفاقم خلال عام 2026، مشيراً إلى أن نحو 33.7 مليون شخص باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
“لاحظ: أسوأ أزمة إنسانية في العالم”.
يأتي هذا الإعلان في وقت تتقاعس فيه الدول عن تقديم المساعدات الدولية المطلوبة من الأمم المتحدة لمساعدة المنكوبين، وهو ما تكرر في مؤتمري باريس 2024 ولندن 2025. أما مؤتمر “برلين” الأخير، فقد تعهدت فيه الدول بالمساهمة بقيمة 1.5 مليار دولار لخطة الاستجابة الإنسانية للعام 2026.
ولكن لم يمر شهر على المؤتمر حتى أعلنت الإمارات سحب 500 مليون دولار كانت قد تعهدت بها في المؤتمر، أي أن ثلث المبلغ الموعود تم التراجع عنه! وكان توم فليتشر، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للعمليات الإنسانية، قد وصف مؤتمر برلين بشأن السودان بأنه “اختبار للمجتمع الدولي”، ومضى أكثر ليقول: “إذا عقدنا مؤتمراً رابعاً نصدر فيه مزيداً من التصريحات والبيانات، فسوف نستمر في خذلان الشعب السوداني”.
بالفعل، ها هو مؤتمر برلين يتحول إلى مجرد خذلان، إذ لا أحد من المساهمين دفع مليماً حتى الآن، مما جعل “أوتشا” تطلق النداء وراء النداء ولا مجيب. آخر الأخبار أن برنامج الغذاء العالمي توقف حتى عن شراء الذرة من سوق القضارف، مما أدى إلى نزول الأسعار بشكل درامي. السؤال المُلِح: متى سيتوقف العالم عن الكذب؟
يبدو اننا أمام تحالف غير مكتوب بين فساد داخلي يحرسه “المراجع العام” بصمته المريب عن تقارير النهب، وبين مجتمع دولي يمارس “الاستهبال” السياسي عبر تحقيقات صورية ومساعدات وهمية تتراجع عند أول اختبار. هذا التواطؤ المزدوج، المحلي والدولي، هو الوقود الحقيقي الذي يطيل أمد الحرب ويغذي جذور الأزمة الإنسانية، بينما يدفع الشعب وحده ثمن الغياب المتعمد للشفافية والاستهبال.. في عالم لا يصدق في وعوده.











