اخبار السودان

بين شح السيولة وأزمة الثقة الرقمية: قرار نقدي يربك مرضى الخرطوم

0 2٬162

الخرطوم-الزول-وكالات

في خطوة مفاجئة أربكت المرضى وأسرهم، أصدرت وزارة الصحة ولاية الخرطوم توجيهات إلى المستشفيات الحكومية عبر جهاز التحصيل الموحد، تقضي بعدم قبول السداد عبر التطبيقات البنكية، وقصر تحصيل رسوم الخدمات الصحية على الدفع النقدي فقط. القرار، الذي لم يصدر بشأنه توضيح رسمي مفصل حتى الآن، فتح بابًا واسعًا للتساؤلات، ليس فقط من زاوية إجرائية، بل من منظور اقتصادي واجتماعي أعمق.

 

 

 

 

من واقع متابعة تمتد لأكثر من عشر سنوات لملف الاقتصاد الخدمي والتحولات النقدية في السودان، يمكن القول إن هذا القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية. فالبلاد تعاني أصلًا من شح في السيولة النقدية، فيما أصبحت التطبيقات البنكية، وعلى رأسها “بنكك”، الوسيلة الأكثر استخدامًا في المعاملات اليومية، خاصة في المدن الكبرى. عمليًا، انتقل جزء معتبر من النشاط الاقتصادي إلى الفضاء الرقمي، مدفوعًا بواقع الندرة النقدية ومخاطر حمل الأموال.

 

 

 

شهادات المواطنين تعكس حجم الإشكال. أحمد حسن، مرافق أحد المرضى، تساءل بمرارة: كيف يمكنه مغادرة ابنه في حالة حرجة بحثًا عن سيولة نقدية لبدء العلاج؟ وفي واقعة أخرى، اضطر خالد الخير إلى تأخير إجراءات ولادة قيصرية لعدم قبول المستشفى السداد عبر التطبيق البنكي في ساعة متأخرة من الليل. هذه الوقائع ليست تفاصيل هامشية؛ بل تمس جوهر الحق في الوصول الفوري للخدمة الصحية.

 

 

 

اقتصاديًا، القرار يطرح إشكالية تناقض السياسات. فالحكومة، خلال السنوات الأخيرة، دفعت بقوة نحو تقليل التداول النقدي، وأطلقت أنظمة للتحصيل الإلكتروني مثل “إيصالي” بهدف ضبط الإيرادات ورفع كفاءة التحصيل والحد من التسرب المالي. كما شجعت المؤسسات العامة على التحول الرقمي لتقليل الاحتكاك المباشر وتعزيز الشفافية. فكيف يُفهم إذن قصر السداد في المرافق الصحية على النقد فقط؟

 

 

 

ثمة فرضيات قد تفسر الخطوة، من بينها مشكلات تقنية في أنظمة الربط، أو تأخر تسويات التحويلات البنكية، أو اعتبارات تتعلق بإدارة الإيرادات الفورية. لكن غياب التوضيح الرسمي يفتح الباب أمام تأويلات أوسع، ويضعف الثقة في استقرار السياسات المالية. فالتحول الرقمي لا ينجح بقرارات متقطعة، بل يحتاج إلى اتساق واستمرارية.

 

 

 

اجتماعيًا، لا يمكن فصل القرار عن واقع هش تعيشه الأسر. ارتفاع تكاليف العلاج، وتآكل الدخول، وصعوبة الوصول للنقد، كلها عوامل تجعل اشتراط الدفع المسبق نقدًا عبئًا مضاعفًا. الأخطر أن بعض المستشفيات – وفق إفادات متطابقة – تشترط السداد الكامل قبل تقديم الخدمة، حتى في الحالات الطارئة. هنا ينتقل النقاش من كونه إداريًا إلى كونه أخلاقيًا وإنسانيًا.

 

 

الأنظمة الصحية الحديثة تفصل بين تقديم الخدمة في الحالات الحرجة وإجراءات التحصيل، انطلاقًا من مبدأ أولوية إنقاذ الحياة. وإذا كانت هناك تحديات مالية تواجه المؤسسات الصحية، فإن معالجتها ينبغي ألا تتم على حساب المرضى في لحظات الضعف القصوى.

 

 

 

 

من منظور اقتصادي كلي، العودة إلى النقد تعني زيادة الضغط على الكتلة النقدية المحدودة، وفتح المجال لاختناقات إضافية في السوق. كما أنها تعيد مخاطر التخزين والنقل والتأمين، وهي اعتبارات دفعت العالم أصلًا إلى تبني المدفوعات الرقمية. أما من زاوية الحوكمة، فإن التحصيل الإلكتروني يوفر سجلات دقيقة ويقلل من فرص الفاقد المالي.

 

 

 

 

الكرة الآن في ملعب وزارة الصحة ولاية الخرطوم لتوضيح خلفيات القرار ومدته، ووضع آلية استثنائية واضحة للحالات الطارئة. فالمطلوب ليس فقط معالجة خلل إداري محتمل، بل حماية الثقة العامة في مسار التحول الرقمي، وضمان ألا يتحول شح السيولة إلى حاجز بين المريض وسرير العلاج.

 

 

في لحظة اقتصادية معقدة كهذه، تصبح السياسة المالية اختبارًا للتماسك الاجتماعي. والصحة، قبل أن تكون بندًا في الموازنة، هي صمام أمان المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا