قراءة في سقوط الفرقة الأولى ومحاكمة اللواء أحمد الطيب…ماذا حدث؟
كتب: وضاح أزهري
نواصل التعليق على محاكمة اللواء أحمد الطيب قائد الفرقة الأولى مشاة بود مدني. و لنسترجع سوية تفاصيل ذلك الإثنين الأسود الثامن عشر من ديسمبر 2023، و الذي “انسحبت” فيه قوات الجيش وتركت ملايين المواطنين والنازحين يواجهون مصيرهم أمام المليشيا المتمردة.
كانت قوات المليشيا تسيطر على شمال الجزيرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ “انسحب/ هوجم” اللواء الآلي مدرع في الباقير في ظروف غامضة. زاد من هذا الغموض هو المصير المجهول لقائد اللواء الآلي مدرع العميد مأمون محمد أحمد والذي يقول البعض بأنه أسير لدى المليشيا منذ يوم الرابع عشر من أبريل 2023، في حين وردت أخبار غير موثوقة عن محاكمته وإعدامه من قبل الجيش. سنلاحظ هنا نمطاً متكرراً من قيادة الجيش بعدم إيضاح المعلومات للرأي العام وتركه فريسة للشائعات، وهو أمر غير مفهوم وغير مبرر!
استمر الوضع كما هو عليه؛ قوات الجيش كانت متمركزة عند قرية ود الترابي في حين ظل شمال الجزيرة تحت سيطرة المليشيا، وظلت القرى والمناطق بين قرية ود الترابي والباقير أشبه بأرض معزولة (No man’s land). تواردت شهادات المستنفرين والقيادات الأهلية الذين طالبوا بإمدادهم بالسلاح بعدم استجابة قيادة الفرقة الأولى لهم، وردها لبعضهم بحجة عدم الحاجة لهم.
ظل الوضع كما هو عليه إلى حين ديسمبر 2023. في يوم الثالث من ديسمبر 2023 زار السيد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ود مدني حيث استقبله قائد الفرقة الأولى وهنالك صرح تصريحه المشهور باستعداد أربعين ألفاً من المستنفرين وتجهيز الفرقة الأولى لتكون نقطة انطلاق لتحرير الخرطوم. هذا التصريح يكتسب أهمية خاصة إذ إن المليشيا استخدمته كذريعة للتمدد في ولاية الجزيرة بذريعة القضاء على “الكتائب الجهادية”.
بعد اثني عشر يوماً من زيارة البرهان، وفي يوم الجمعة الموافق 15 ديسمبر 2023 تحركت 150 عربة تابعة للمليشيا (معظمها ليست قتالية، حسب شهود عيان بمنطقتي أبو قوتة وودراوة الواقعتين بولاية الجزيرة) من منطقة جبل الأولياء. ووردت أنباء عن وقوع غارات جوية منذ نفس اليوم في الأجزاء الغربية والشمالية والشرقية من مدينة ود مدني وفي محيط قرية الشرفة بركات شمال المدينة. وسمع دوي إطلاق نار يومياً منذ 15 ديسمبر في مناطق مختلفة داخل ود مدني وخارجها، كما شاركت المدفعية بكثافة وكذلك الطيران الحربي التابع للجيش بطلعات جوية استهدفت قوات المليشيا، بالإضافة لغلق كوبري حنتوب وفرض حظر التجوال من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً.
في يوم الأحد السابع عشر من ديسمبر احتفلت قوات من الجيش والقوات المساندة له بصد هجوم المليشيا، وفي نفس اليوم أصدر الناطق الرسمي للقوات المسلحة العميد ركن نبيل عبد الله تصريحاً أكد فيه على استقرار الأوضاع الأمنية بولاية الجزيرة، ودعا المواطنين لعدم مغادرة منازلهم وعدم الالتفات للشائعات (التصريح مرفق في التعليقات).
نأتي للإثنين الأسود المشؤوم. وهنا أسرد شهادة أحد الجنود الذين كانوا في مدينة ود مدني نقلاً عن موقع مدى مصر الإخباري (مصدر هذه الشهادة في التعليقات، وهي توافق ما تقصيت عنه من شهادات العسكريين و المواطنين، والذي بذلت قصارى جهدي في التأكد منها. وعلى من يمتلك رواية أخرى الرجاء الإشارة إليها. فتفاصيل ما حدث في هذا اليوم في غاية الأهمية، وينبني عليها الكثير). فيقول:
“إنه منذ الصباح الباكر ليوم الإثنين حتى الساعة 12 ظهراً، كان الهجوم على قيادة اللواء الأول مشاة في الجهة الشرقية أسفل جسر حنتوب، مضيفاً أن الجيش كان موجوداً في مقره وعلى تخوم الجسر الشرقية، لكن حدث انسحاب من مقر اللواء الأول مشاة للجهة الغربية للجسر ومن ثم ظهرت قوات الدعم السريع داخل مقر الجيش حيث التقطوا بعض مقاطع الفيديو لحظة دخولهم، ومن ثم جاءت طائرة ميج وقصفتهم أربع مرات، لكنها أصيبت بالمضادات الأرضية، ولم تنجح محاولات قائدها في التحكم بها قبل أن تسقط، ويلقى مصرعه”.
وأضاف الجندي «بين الساعتين الواحدة والرابعة عصراً كان هناك هدوء عجيب جداً، ولم نكن نسمع أي أصوات اشتباك حقيقية». مستطرداً: «عند الرابعة عصراً سمعنا بدخول الدعم السريع بالرغم من علمنا المسبق بوجود قوات كبيرة للجيش على مدخل الجسر، بالإضافة إلى الآليات الثقيلة مع ثلاث دبابات». وأوضح أنه «مع وصول معلومة دخول قوات الدعم السريع ونهبها للمنازل بدأنا في الاستعداد والانتشار، ولكن فوجئ الجميع بعدم وجود قائد الفرقة ونائبه أيضاً، ولم يكن في الفرقة ضابط ليقود القوات». وأكد المصدر أنه «لم نرَ دخاناً ولم نسمع صوت معركة حقيقية، ولا وجود لأي اشتباك قد حدث.. نحن سمعنا الخبر مثلنا مثل المواطنين في وسائل التواصل، وعندما سألنا الضابط المسؤول المباشر لم يكن لديه أي معلومة».
انتهت شهادة الجندي. وهنا أتوقف عند النقاط التالية:
1. أكد شهود العيان أن الجيش قد أغلق كوبري حنتوب بالحاويات. أتى أمر بسحب الحاويات في وقت لم أستطع التحقق منه في يوم الإثنين 18 ديسمبر، ومن مدخل كوبري حنتوب دخلت المليشيا ود مدني وبدأت في استباحتها.
السؤال هنا لماذا تم سحب الحاويات؟ قيادة الجيش كعادتها لا تخبرنا شيئاً، فنضطر لجمع الروايات الشفاهية والكتابية المبذولة على وسائط التواصل الاجتماعي، وأبرزها يبرر هذا السحب للحاويات بأنه كانت هنالك تعزيزات عسكرية قادمة للجيش وهو ما لم يحدث، بل عبرت قوات المليشيا الكوبري بلا مقاومة تذكر.
2. هذا “الانسحاب” لم يكن هنالك ما يبرره عسكريا إذ أنه تم و من غير حدوث اشتباكات. كما ذكرت أكد شهود العيان أن الجيش قد أغلق كوبري حنتوب بالحاويات، ولكن أتى أمر مفاجئ ومريب بسحب هذه الحاويات في ظهيرة يوم الإثنين 18 ديسمبر.
وهنا لا بد أن نتوقف عند القيمة العسكرية المهدرة لهذا الكوبري؛ فهو لم يكن مجرد طريق للعبور، بل كان مانعاً طبيعياً وعسكرياً حاكماً، السيطرة عليه تعني السيطرة على مفاتيح مدني بالكامل. فعسكرياً يمثل الكوبري ما يعرف بـ عنق الزجاجة (Choke Point)، وهي وضعية تمنح المدافع ميزة استراتيجية هائلة؛ إذ يمكن لقوة صغيرة متحصنة في الطرف الغربي أن تصد جيشاً كاملاً يحاول العبور فوق ممر ضيق ومكشوف تماماً تحت رحمة النيران.
إن وجود النيل الأزرق كحاجز مائي طبيعي، مع تأمينه بالعوائق الهندسية (الحاويات) كان كفيلاً بتحويل ود مدني إلى قلعة حصينة يصعب على عربات المليشيا المكشوفة اختراقها. لذلك فإن قرار سحب الحاويات وإخلاء مدخل الكوبري في ذلك التوقيت لا يمكن اعتباره خللاً في التقدير، بل هو تنازل طوعي عن أقوى خط دفاعي تمتلكه المدينة، وفتح متعمد لثغرة سمحت للمليشيا بالعبور الآمن.
3. بعد سحب الحاويات ودخول قوات المليشيا لداخل المدينة تفاجأ الكثير من الضباط والجنود بما حدث، بل وعلم بعضهم بدخول المليشيا من أصوات الاشتباكات والبعض الآخر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه النقطة مهمة لأنها تتنافى مع ما حدث كونه انسحاباً عسكرياً منظما فرضته ظروف الميدان في ذلك اليوم. تجدر الإشارة هنا لانسحاب قوات الفرقة السادسة مشاة في الفاشر والذي حدث في أكتوبر 2025. مع اختلاف الظروف و الجغرافيا الكبير إذ إن قوات الجيش في الفاشر كانت مطوقة بشكل كامل وتحت حصار خانق استمر لأكثر من عام مع نقص حاد في الذخائر والغذاء، إلا أن قوات الجيش والقوات المساندة حاولت ونجحت في إخلاء العديد من العسكريين والمدنيين والآليات العسكرية، وهو الأمر المتوقع في مثل هذه الظروف. نجد في المقابل أن ود مدني والتي كانت تتمتع بخطوط إمداد مفتوحة من الجنوب والشرق، “تنسحب” بهذا الشكل المخل.
4. المحكمة العسكرية وجهت تهمة الإهمال للواء أحمد الطيب بحجة انسحابه دون صدور توجيهات من قيادة الجيش. وفي نفس الوقت برأته من تهمة الخيانة العظمى.
هذا الحكم يوحي بأن الانسحاب تم بتقدير فردي من اللواء أحمد الطيب. وهنا أستشهد بنص المادة (146) من قانون القوات المسلحة لسنة 2007 (المصدر في التعليقات)، والتي تنص على: “يعد مرتكباً لجريمة الاستسلام أو الهدنة غير المشروعة ويعاقب بالإعدام أو السجن لمدة لا تجاوز عشرين عاماً كل من يقوم بغير تعليمات من الجهة المختصة بعرض التسليم أو الهدنة من القتال أو وقف حالة العداء أو يقبل ذلك من العدو أو يحرض عليه أو يصدر تعليمات صريحة أو ضمنية بذلك أو يقوم بتسليم الأفراد الذين تحت قيادته أو تسليم أي موقع للعدو بموجب تلك الهدنة أو يتسبب في ذلك دون مبرر قانوني أو ضرورة عسكرية”.
والسؤال هنا: ما هي الدفوعات التي قدمها اللواء أحمد الطيب للمحكمة العسكرية والتي جعلت القاضي العسكري يبرأه من تهمة الخيانة العظمى، علماً بأنه ووفقاً لقانون القوات المسلحة لسنة 2007 يُعد التخلي عن الدفاع، تسليم المواقع، أو التخاذل أمام العدو خيانة عظمى. عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد.
5. نفس المحكمة العسكرية التي أدانت اللواء أحمد الطيب بالإهمال أسقطت التهم عن ضابطين آخرين برتبة العميد، وتمت تبرئتهما، فيما أُفرج عن أحدهما، وأدين الآخر بالسجن 4 سنوات في تهمة أخرى.
لسبب ما ارتأت القيادة العسكرية عدم الإفصاح عن أسماء هؤلاء الضباط!
6. بناءً على كل ما سبق أرى أن هذا الحكم لا يستقيم. تصرفات اللواء أحمد الطيب لا تنم عن قرار عسكري اتخذ بناءً على تقديرات الميدان، إذ لا يوجد ما يبرره عسكرياً كما ذكرت (حادثة سحب الحاويات من كوبري حنتوب وعدم إبلاغ العسكريين في ود مدني بالانسحاب نقطتان أساسيتان هنا).
والمنطق يشير إلى إما وجود خيانة من اللواء أحمد الطيب أو انسحابه بناءً على تعليمات أتته بشكل مفاجئ لم يتسنَ معه الوقت الكافي لتنظيم انسحاب بشكل منظم.
هذا السلوك المتكرر من قيادة القوات المسلحة بالتعمية والغموض حول كل ما يحيط بمسألة سقوط ود مدني له آثار كارثية لا تقل خطورة عن فعل الانسحاب نفسه. صمتنا طيلة فترة احتلال المليشيا للوسط احتراماً لقيادة الجيش ومحكمتها علها تروي غليلنا لمعرفة من المتسببين في أكبر كارثة شهدها الإقليم الأوسط في التاريخ المكتوب. ولم نجد أجوبة كافية.
في تقديري الشخصي، وهو تقدير يشاركني فيه الكثيرون من مواطني الإقليم الأوسط فإن هذه المحكمة معيبة وتثير تساؤلات جديدة وخطيرة عوض الإجابة عنها. وبما أن قيادة الجيش تركتنا وحدنا نحاول فهم ما حدث في الإثنين الدامي فهاكم ما يدور في مجالس أهالي الوسط وروايتهم لأسباب ما حدث:
أولاً: يقول البعض بأن هذا الانسحاب تم لتخفيف الضغط على المقار العسكرية في العاصمة والتي كان معظمها تحت حصار المليشيا. يقولون أيضاً إن الانسحاب فعل عسكري يُدرس في المعاهد الحربية والحرب كر وفر.
هذا القول يبرئ ذمة القيادة العسكرية نوعاً ما ولكنه يتنافى مع تفاصيل ما جرى. فإذا كان هذا هو هدف القيادة العسكرية فلماذا لم تنذر المواطنين، ولماذا وحتى قبل ساعات فقط صرح الناطق الرسمي للقوات المسلحة مطالباً المواطنين بعدم الالتفات “للشائعات” والبقاء في المدينة.
حسب هذا المنطق إذن فقرار الانسحاب كان مخططاً له وهو لا يستقيم مع حكم المحكمة بأن اللواء أحمد الطيب قد انسحب بتقديراته الشخصية. فإذا كان الانسحاب بهدف تخفيف الضغط على المقار العسكرية في العاصمة فإنه وبلا شك اتخذ على أعلى مستوى عسكري ولا يتخذه قائد حامية تعتبر من الفرق الثانوية في الجيش.
ثانياً: يقول البعض بأن هذا الانسحاب وراءه دوافع جهوية وقبلية. إذ إن هنالك مجموعة من الضباط في أعلى هرم الجيش قرروا التضحية بولاية الجزيرة حتى لا تتجه المليشيا شمالاً لولايتي نهر النيل والشمالية.
هذا الرأي حاربته شخصياً بلا هوادة طيلة احتلال المليشيا للجزيرة خصوصاً وأن أبواق المليشيا والمتواطئين معها ظلوا يبثونه أملاً في تفرقة الصف المقاوم.
أقول بوضوح هنا إن أسلوب الغموض وعدم الشفافية يعزز من هذا الرأي الذي يلقى رواجاً وسط الكثيرين من أبناء الوسط. فانظروا يا قيادة الجيش ماذا فعلتم باللحمة الوطنية بصمتكم وتستركم غير المفهوم. وهو الأمر الذي كان يمكن تجنبه بكشف الحقائق وإتاحتها للمواطنين.
ثالثاً: الرأي الثالث هو أن البرهان قد تلقى طلباً أمريكياً قبل أيام بالتهدئة في الجزيرة وعدم المبادرة بأعمال عدائية مقابل ضمانهم له بأن قوات المليشيا لن تدخل بولاية الجزيرة. وهو قول تكذبه أيضاً الوقائع. فالانسحاب تم وقوات المليشيا في وضع الهجوم وعلى أمتار من كوبري حنتوب الأمر الذي يعطي القيادة السياسية للبلاد المشروعية الكاملة للدفاع كما فعلت طوال أيام 15 و16 و17 ديسمبر.
أناشد هنا جميع الفاعلين السياسيين السودانيين عامة والقوى الحية والسياسيين من أبناء الوسط بالمطالبة بكشف محاضر التحقيق وجلسات المحاكمة العسكرية التي أقيمت للواء أحمد الطيب وزملائه “المجهولين”. وإذا تعذر هذا فلتنشأ لجنة لتقصي الحقائق حول أحداث الإثنين الأسود.
هذا الطلب له سابقة في تاريخنا السياسي، إذ نذكر أنه وبعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971 وعودة الرئيس الأسبق جعفر نميري للسلطة، كانت البلاد تعيش صدمة مذبحة بيت الضيافة والتي جرى فيها اغتيال عشرات الضباط بعد فشل الانقلاب. أصدر نميري قراراً بتشكيل لجنة تقصي حقائق قانونية برئاسة القاضي حسن محمد علوب (الذي كان قاضياً في المحكمة العليا آنذاك) للتحقيق في الملابسات العسكرية والجنائية للأحداث، وتحديداً من الذي أصدر الأوامر بإطلاق النار على الضباط المعتقلين في بيت الضيافة وقدم فعلاً تقريره الشهير.
كانت مذبحة بيت الضيافة فصلاً مؤلماً في تاريخ الصراع السياسي الدموي، وإذ نترحم على أرواح شهداء تلك النخبة المميزة من ضباط الجيش السوداني يجب أن نشير أنه وعلى قسوة تلك المذبحة فإنها اقتصرت على العشرات، بل وإن انقلاب يوليو 1971 استمر لثلاثة أيام فقط. ولا تقارن مع الانتهاكات المروعة والمفزعة في الإقليم الأوسط والتي عشناها طيلة أربعة عشر شهراً.
الصورتين المرفقتين لبوابة الفرقة ١٦ نيالا بعد انسحاب الجيش منها بعد ٧ شهور من القتال بقيادة الشهيد البطل اللواء ياسر فضل الله لانعدام الإمداد العسكري.. وبين بوابة قيادة الفرقة الأولى مشاة ود مدني.
ولن ننسى ولن نغفر.