أخبار السوداناخبار

زيارة البرهان للدمازين.. رسائل عسكرية وسط التصعيد عند البوابة الجنوبية!

دخلت معركة النيل الأزرق منذ أغسطس مرحلة أكثر حساسية، بعدما تحولت المنطقة الحدودية مع إثيوبيا إلى أحد أهم محاور الحرب السودانية. فالتطورات الميدانية خلال الأسابيع الماضية تشير إلى أن المعركة لم تعد مجرد محاولة من المليشيا وحلفائها لفتح جبهة ضغط عسكري، وإنما باتت مرتبطة بصراع أوسع على الحدود وممرات الإمداد والنفوذ الإقليمي.

 

 

 

إعلان

خلفية التطورات خلال الشهر الماضي

وكان الجيش قد استعاد في يوليو السيطرة على الكرمك، قبل أن تعاود المليشيا والحركة الشعبية-شمال الضغط على المنطقة في أغسطس، بالتزامن مع هجمات في قيسان ومناطق أخرى.

 

 

وفي 28 أغسطس أعلنت المليشيا وحلفاؤها السيطرة على قاعدتي بكوري وسركم، وهو تطور مهم نظراً لموقعهما جنوب شرقي الدمازين، بينما رد الجيش بإرسال تعزيزات، بينها لواء من قوات النخبة إلى محور بكوري.

 

 

غير أن أهمية هذه التطورات تتجاوز الخريطة العسكرية المباشرة؛ فالنيل الأزرق يقع على تماس مع إثيوبيا، وهو ما يجعل أي تقدم لقوات المليشيا والحركة الشعبية في المنطقة معتمدًا بشكل أساسي على مصادر الإمداد وخطوط الحركة عبر الحدود.

 

 

إثيوبيا.. الجوار المتورط

برز الدور الإثيوبي باعتباره أكثر عناصر المعركة إثارة للجدل. فقد أكدت الحكومة السودانية ومصادر عسكرية عن استخدام الأراضي الإثيوبية في دعم مليشيا الدعـ م السـ ريع، وهو عدوان ثابت رغم نفي أديس أبابا المتمرر.

 

 

 

قدَّم تقرير حديث صادر عن مختبر الشؤون الإنسانية التابع لجامعة ييل، قدَّم مؤشراً أكثر تحديداً؛ إذ رصد، عبر صور الأقمار الصناعية، وصول نحو 100 مركبة إلى قاعدة عسكرية إثيوبية في أصوصا خلال الأسبوع الأخير من أغسطس، بزيادة تقارب ستة أضعاف مقارنة بما كان موجوداً في 23 أغسطس، بينها مركبات مزودة بأسلحة و15 مركبة تتوافق مع ناقلات جند مدرعة. وخلص التقرير إلى أن هذا الحشد يزيد مخاطر شن هجوم كبير على الدمازين.

 

 

 

قد لا تشير هذه المعطيات إلى أن إثيوبيا تشارك مباشرة في العمليات، لكنها تعزز فرضية وجود عمق لوجستي خارجي للمعركة، وهوأمراً لا يمكن تجاهله، خصوصاً أن تصعيد النيل الأزرق تزامن مع زيارة قائد المليشيا محمد حمدان دقلو «حميدتي» إلى أديس أبابا، وفق ما أوردته مصادر إعلامية.
وهنا تكمن خطورة الجبهة الجديدة: فإذا أصبحت الأراضي الإثيوبية قاعدة خلفية للإمداد أو التحشيد، فإن الحدود السودانية-الإثيوبية قد تتحول من خط تماس إلى جزء من مسرح العمليات نفسه.

 

 

 

 

الجيش واستراتيجية حماية الدمازين

 

 

في المقابل، تشير تحركات الجيش إلى أنه يتعامل مع التطورات باعتبارها تهديداً مباشراً للدمازين، وليس مجرد معارك حدودية بعيدة عن مركز الإقليم.

 

 

 

فبعد وصول تعزيزات إلى المدينة، دفع الجيش بقوات إضافية إلى محور بكوري، كما ظهرت مؤشرات على إعادة تنظيم الدفاعات حول العاصمة الإقليمية. والأهم كان نشر منظومة دفاع جوي حديثة في الدمازين لتعزيز حماية المدينة من التهديدات الجوية، ولا سيما الطائرات المسيّرة.

 

 

 

وتكشف هذه الخطوة عن تغير في طبيعة الاستعداد العسكري؛ فالمعركة لم تعد محصورة في حماية مواقع المشاة والقواعد الأمامية، وإنما أصبحت الدمازين نفسها هدفاً محتملاً يتطلب منظومة دفاع متعددة المستويات.

 

 

 

وبعبارة أخرى، يبدو أن الجيش يحاول بناء حزام دفاعي حول الدمازين، بالتوازي مع الدفع بقوات إلى المحاور الأمامية، لمنع تحويل الاختراقات في قيسان وبكوري وسركم إلى طريق مفتوح نحو العاصمة الإقليمية.

 

 

 

زيارة البرهان.. رسالة عسكرية وسياسية

 

 

 

في هذا السياق جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان إلى الدمازين في 2 سبتمبر، حيث تفقد الفرقة الرابعة مشاة واطلع على جاهزية القوات والمهام المتعلقة بتأمين الإقليم وحماية السكان.

 

 

 

وتحمل الزيارة أكثر من رسالة؛ فعسكرياً، تعكس اهتمام القيادة العليا بجبهة أصبحت من أكثر الجبهات حساسية. وسياسياً، تمثل الزيارة رسالة فحواها أن الدولة تحكم سيطرتها على الدمازين، ولكن القيادة العسكرية لا تتعامل مع التهديد باعتباره خطراً بعيداً.

 

 

 

كما أن توقيت الزيارة، جاء بعد أيام من إعلان المليشيا السيطرة على بكوري وسركم، وهو ما نفاه الجيش.. كما جاء بعد ظهور تقارير عن الحشد العسكري في أصوصا، وهو ما يمنحها دلالة إضافية: الجيش يريد أن يقول إن معركة النيل الأزرق لن تُدار من موقع دفاعي صرف، وإن العاصمة الإقليمية لن تُترك تحت ضغط التقدم المقابل، فالدمازين تتمتع بأهمية تتجاوز كونها عاصمة الإقليم. وسقوطها، أو حتى فرض حصار عسكري عليها، سيمنح المليشيا وحلفائها مكسباً سياسياً وعسكرياً كبيراً، ويفتح جبهة جديدة تستنزف الجيش في وقت يخوض فيه عمليات واسعة في كردفان ودارفور.

 

 

 

وفي المقابل، فإن نجاح الجيش في تثبيت دفاعاته واستعادة المبادرة جنوباً سيعني إغلاق أحد أهم المسارات المحتملة للتمدد نحو الشرق والحدود الإثيوبية.

 

 

 

ولهذا يمكن فهم التعزيزات العسكرية والدفاعات الجوية وزيارة البرهان باعتبارها أجزاء من استراتيجية واحدة: منع معركة النيل الأزرق من التحول إلى تهديد مباشر للدمازين، ثم محاولة استعادة المبادرة في المحاور الحدودية.

 

 

 

هل تتحول الجبهة إلى حرب إقليمية؟

 

 

الخطر الأكبر أن تتقاطع جبهة النيل الأزرق مع التطورات الإقليمية في إثيوبيا. فعودة القتال في تيغراي واتهامات إديس أبابا السودان بإسناده، في مقابل وجود تحشيد عسكري في قاعدة أصوصا، بالتزامن مع تصاعد القتال داخل السودان، يرفع احتمالات تحول الحدود إلى منطقة صراع بالوكالة.

 

 

لكن الانتقال من الدعم غير المباشر إلى مواجهة إقليمية مفتوحة ليس أمراً حتمياً. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية هو استمرار استخدام الحدود كممر للإمداد والتحرك، مع تجنب إثيوبيا الدخول رسمياً في الحرب.
غير أن استمرار الهجمات من جهة، وتزايد الحشود على الجانب الإثيوبي من جهة أخرى، قد يغيّر الحسابات. وإذا تعرضت القوات السودانية أو الأراضي السودانية لهجمات يمكن إثبات انطلاقها من داخل إثيوبيا، فقد تجد الخرطوم نفسها أمام ضغط داخلي للرد، بما يفتح الباب أمام تصعيد مباشر بين الدولتين.

 

..

تكشف تطورات أغسطس وبداية سبتمبر أن النيل الأزرق أصبح جبهة استراتيجية لا تقل أهمية عن كردفان ودارفور. فالدعـ م السـ ريع وحلفاؤه يحاولون توسيع مساحة المناورة جنوباً، والجيش يعزز الدمازين ويعيد نشر قواته، بينما يثير الحشد العسكري في قاعدة أصوصا تساؤلات متزايدة حول طبيعة الدور الإثيوبي.

 

 

 

 

 

أما زيارة البرهان للدمازين، فتأتي في لحظة تحاول فيها القيادة السودانية تثبيت معادلة واضحة: الدمازين خط أحمر، والنيل الأزرق لن يتحول إلى بوابة جديدة لتغيير ميزان الحرب.
وإذا نجح الجيش في استعادة المواقع المتقدمة وقطع خطوط الإمداد القادمة من الحدود، فقد يتحول التصعيد الحالي إلى معركة استنزاف قصيرة نسبياً. أما إذا استمر تدفق الرجال والعتاد عبر الحدود، بالتزامن مع ضغط المليشيا والحركة الشعبية-شمال، فإن النيل الأزرق قد يصبح بالفعل الحلقة التي تنقل الحرب السودانية من صراع داخلي إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية مباشرة.

تقرير: الطابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى