دليل استخدام المسيرات
يمثل التصعيد الأخير في استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية والقتالية من قبل المليشيا تحولا لافتا في طبيعة الصراع، وهو في جوهره اعتراف ضمني بالعجز عن المواجهة المباشرة على الأرض. فعندما تلجأ قوة عسكرية إلى الاعتماد الكلي على سلاح “التحرش عن بعد” وبشكل مكثف، فإن ذلك يعكس حالة من الانكماش الميداني وفقدان القدرة على مسك الأرض أو التقدم في جبهات القتال .
هذا الأسلوب يهدف بالأساس إلى صناعة “نصر افتراضي” يعوض الهزائم الواقعية، وهو سلاح الضعيف الذي يخشى المواجهة الصفرية ويحاول إرباك الخصم وتقليل الروح المعنوية لدى الحاضنة الشعبية.
إن هذا التكثيف هو تعبير صارخ عن الخوف؛ فالمليشيا تدرك أن موازين القوى بدأت تميل لغير صالحها، لذا تلجأ لهذه الأداة رخيصة التكلفة لضمان البقاء في دائرة الخبر الإعلامي. وللتصدي لهذه الهجمة الإعلامية المصاحبة للضربات، يجب أولا إدراك أن الهدف النفسي للمسيرة أكبر من هدفها العسكري.
التصدي يبدأ بفلترة المحتوى المتداول، وعدم المساهمة في نشر صور الحطام أو آثار الضربات لأن ذلك يحقق مراد المليشيا في نشر الرعب. يجب تعزيز الوعي الشعبي بأن هذه المسيرات، رغم إزعاجها، لا تحسم معركة ولا تسقط مدنا، بل هي مجرد “نبال حديثة” تطلقها يد مرتعشة لا تقوى على الثبات في الميدان.
تاريخيا، شهدت الحروب نماذج مشابهة كانت فيها القوة المنهزمة تلجأ لسلاح الجو اليائس.
ففي أواخر الحرب العالمية الثانية، ومع اقتراب هزيمة ألمانيا النازية، لجأ هتلر إلى استخدام صواريخ (V-1) و (V-2) لضرب لندن بشكل عشوائي ومكثف. لم تكن تلك الصواريخ تهدف لفتح جبهات جديدة، بل كانت محاولة بائسة لترهيب المدنيين بعد أن فقد الجيش الألماني قدرته على الصمود أمام زحف الحلفاء. وبالمثل، استخدمت اليابان هجمات “الكاميكازي” الانتحارية في أنفاسها الأخيرة، وهي استراتيجية تعكس وصول القوة إلى طريق مسدود عسكريا، حيث يصبح الانتحار بالآلة هو الخيار الوحيد المتبقي للتعبير عن الوجود.
التصدي الفعال لهذه الهجمات يتطلب تكاملا بين الجهد العسكري والوعي المجتمعي. عسكريا، يتم الأمر عبر تفعيل الدفاعات النقطية والتشويش الإلكتروني واستهداف غرف القيادة والتحكم التي تطلق هذه المسيرات. أما مجتمعيا، فالمطلوب هو الصمود النفسي وتجاهل الدعاية المرافقة، وتحويل هذه الضربات إلى وقود للمقاومة الشعبية والالتفاف حول القوات النظامية.
إن المعارك تُكسب بالإرادة على الأرض، والمسيرات التي تطن في السماء ما هي إلا صرخة يأس من قوة تدرك أن نهايتها باتت وشيكة، وأن سياسة “اللدغ والهروب” لن تغير من حتمية الهزيمة الميدانية شيئا.
Mohammed Mustafa







