سرقة ذهب عمارة السوق العربي: تفكيك شبكة منظمة واستعادة جزئية لأكبر قضايا النهب خلال الحرب
في واحدة من أخطر القضايا الجنائية المرتبطة بفترة الفوضى الأمنية التي شهدتها العاصمة الخرطوم خلال سيطرة مليشيا الدعم السريع، أعلنت شرطة ولاية الخرطوم عن إحراز تقدم كبير في ملف سرقة مجوهرات ذهبية من عمارة الذهب بالسوق العربي، بعد تمكن فريق المباحث الجنائية من توقيف المتهم الرئيسي وتسعة آخرين من مستلمي المال المسروق، واسترداد جزء معتبر من الذهب المنهوب.
القضية، التي قُيّدت تحت البلاغ رقم (125) بالمادة (174) من القانون الجنائي، كشفت عن شبكة منظمة استغلت ظروف الحرب والانفلات الأمني لتنفيذ عملية نهب وُصفت بأنها من أكبر عمليات سرقة الذهب المشغول في تاريخ السوق.
بداية البلاغ: اختفاء 32 كيلوغرامًا من الذهب
وتعود تفاصيل القضية إلى تلقي الشرطة بلاغًا من أحد تجار الذهب يفيد بسرقة مجوهرات ذهبية مشغولة تزن نحو (32) كيلوغرامًا من داخل عمارة الذهب بالسوق العربي، وهي منطقة تُعد القلب التجاري لصناعة وتجارة الذهب في الخرطوم.
وبحسب المكتب الصحفي للشرطة، فقد تعاملت السلطات مع البلاغ منذ لحظاته الأولى باعتباره قضية ذات طبيعة معقدة، نظرًا لحجم المسروقات، وحساسية الموقع، والظروف الأمنية الاستثنائية التي كانت تعيشها العاصمة آنذاك.
تشكيل فريق خاص وفك طلاسم الجريمة
وعلى إثر البلاغ، جرى تكليف فريق خاص من الإدارة العامة للمباحث الجنائية لكشف غموض القضية، تحت إشراف مباشر من قيادة الشرطة بولاية الخرطوم. وتم لاحقًا تشكيل فرق ميدانية مساندة بقيادة ضباط مختصين، مع توسيع دائرة التحريات لتشمل الأسواق والمناطق المعروفة بنشاط تجارة الذهب غير المشروع.
وأكدت الشرطة أن فرقها اعتمدت على جهود بحثية مكثفة، شملت التحري الميداني، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وإجراء تحقيقات مع معتادي الإجرام في بلاغات مشابهة، إلى جانب مراجعة إفادات شهود وعاملين في سوق الذهب.
سوق مايو… بؤرة خطرة
وأظهرت التحريات أن منطقة سوق مايو تُعد من أخطر بؤر جرائم سرقة وتداول الذهب المنهوب، لا سيما خلال فترة سيطرة مليشيا الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم. وأشارت الإفادات إلى أن هذه المنطقة تحولت، خلال تلك الفترة، إلى نقطة تجميع وتصريف للذهب المسروق، مستفيدة من غياب الرقابة وضعف قبضة الدولة.
وأكدت التحقيقات أن عدداً من شبكات الجريمة المنظمة وجدت في الفوضى الأمنية فرصة لتوسيع نشاطها، مستندة إلى علاقات مع عناصر داخل السوق وخارجه.
تواطؤ من الداخل: العمال في دائرة الاتهام
ومن أخطر ما كشفته التحقيقات، تورط بعض العمال العاملين لدى تجار الذهب في عملية السرقة، حيث ثبت أنهم لعبوا دورًا محوريًا في التخطيط والتنفيذ، مستغلين معرفتهم بتفاصيل المخازن وأوقات العمل، إضافة إلى استغلال الأوضاع الأمنية المتدهورة.
وأوضحت الشرطة أن عملية السرقة تمت بتحريض وتواطؤ مباشر من هؤلاء العمال، الذين تمكنوا من الاستيلاء على كميات كبيرة من الذهب، قبل الشروع في توزيعها على شبكات تصريف في عدة ولايات.
ضبط المتهمين واسترداد جزء من المسروقات
وبناءً على ما توصلت إليه التحريات، تمكن الفريق الخاص من توقيف المتهم الأساسي في البلاغ، إلى جانب توقيف (9) متهمين آخرين من مستلمي المال المسروق. كما نجحت الشرطة في استرداد نحو (11) كيلوغرامًا من الذهب المشغول، تعود ملكيته للشاكي.
وأشارت الشرطة إلى أن الذهب المسترد كان قد جرى توزيعه على خمس ولايات مختلفة، في محاولة لطمس معالم الجريمة وتعقيد مسار التتبع، إلا أن الجهود المشتركة بين الفرق الميدانية أسهمت في الوصول إلى جزء مهم من المسروقات.
التحريات مستمرة والملف مفتوح
وأكد المكتب الصحفي للشرطة أن التحريات الميدانية لا تزال مستمرة لضبط بقية المتورطين في القضية، واستكمال استرداد الكميات المتبقية من الذهب المسروق. كما يجري العمل على إكمال ملف البلاغ تمهيدًا لتقديم جميع المتهمين للمحاكمة وفقًا لأحكام القانون الجنائي.
وشددت الشرطة على أن هذه القضية لن تُغلق قبل الوصول إلى كل خيوط الشبكة، باعتبارها تمثل نموذجًا لجرائم استغلت الحرب لضرب الاقتصاد الوطني ونهب ثروات المواطنين.
أبعاد اقتصادية وأمنية
ويرى خبراء اقتصاديون أن مثل هذه الجرائم لا تمثل اعتداءً على الأفراد فحسب، بل تضرب قطاع الذهب، الذي يُعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد السوداني. كما تسهم في توسيع الاقتصاد غير الرسمي، وتغذية شبكات التهريب وغسل الأموال.
أما أمنيًا، فيشير محللون إلى أن تفكيك هذه الشبكات يمثل خطوة مهمة في استعادة هيبة الدولة، وإعادة الثقة في الأجهزة العدلية، خاصة في ظل سعي السلطات إلى فرض سيطرتها على الأسواق والمرافق الحيوية بعد فترة طويلة من الانفلات.
ما بعد القضية
تسلط هذه القضية الضوء على الحاجة الماسة إلى تشديد الرقابة على أسواق الذهب، وتحديث آليات الحماية، وإعادة تنظيم العمالة داخل هذا القطاع الحساس، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعدلية لمكافحة الجرائم الاقتصادية المنظمة.
وفي الوقت الذي تمثل فيه استعادة جزء من المسروقات إنجازًا أمنيًا مهمًا، تبقى الأنظار معلقة على ما ستسفر عنه التحريات القادمة، وما إذا كانت ستقود إلى تفكيك شبكات أوسع، نشأت وترعرعت في ظل الحرب، واستغلت هشاشة الوضع الأمني لتحقيق مكاسب غير مشروعة.