غابة السنط في الخرطوم: الدمار الصامت الذي التهم «رئة العاصمة» تحت وطأة الحرب
بعيدًا عن دوي المدافع وأصوات الانفجارات، تكشف الحرب في السودان عن وجه آخر لا يقل خطورة، يتمثل في الدمار البيئي الواسع الذي طال واحدة من أهم المعالم الطبيعية في البلاد: غابة السنط عند ملتقى النيلين في الخرطوم. هذه الغابة، التي ظلت لعقود تمثل «رئة العاصمة» ومتنفسها البيئي والسياحي، تحولت خلال أشهر الحرب إلى مساحة شبه خالية من الأشجار الكثيفة، في مشهد صادم يعكس حجم الخسائر غير المرئية التي خلفها الصراع.
شهادة من الميدان: اختفاء الغابة
الناشط البيئي حسن صالح كشف، عبر مقطع فيديو نشره على صفحته بموقع فيسبوك، عن دمار واسع طال غابة السنط، موضحًا أن المساحات التي كانت تغطيها الأشجار الكثيفة تحولت إلى أرض جرداء، بعد أن تعرضت الغابة لعمليات قطع وتجريف ممنهجة خلال فترة الحرب.
وأشار صالح إلى أن أخطر مظاهر الحرب والجفاف في الخرطوم لم تقتصر على المباني والبنية التحتية، بل امتدت إلى الغطاء النباتي، خصوصًا الأشجار المعمرة والكبيرة مثل غابات السنط، وغابة دنجقوا، والحديقة النباتية، وحدائق القصر الجمهوري، التي تعرضت جميعها لاعتداءات جسيمة.
أهمية غابة السنط: أكثر من مجرد أشجار
وتُعد غابة السنط من أقدم وأهم المحميات الطبيعية في السودان، إذ تبلغ مساحتها أكثر من 482 فدانًا، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن المساحة الكلية، بما في ذلك المناطق المطورة، قد تصل إلى نحو 1500 هكتار. وتقع الغابة في موقع فريد عند ملتقى النيل الأبيض بالنيل الأزرق، ما يمنحها قيمة بيئية وجغرافية استثنائية.
وتضم الغابة أنواعًا نادرة من أشجار السنط، إضافة إلى تنوع نباتي وحيواني غني، جعلها موئلًا للطيور المهاجرة والمقيمة، ومحطة أساسية ضمن مسارات الطيور المائية في المنطقة.
محمية طبيعية ذات قيمة عالمية
وتعود حماية غابة السنط إلى عام 1939، حين صُنفت رسميًا كمحمية طبيعية، في اعتراف مبكر بأهميتها البيئية. كما تُعد الغابة موقعًا ذا أهمية دولية لتنوع الطيور، ومصنفة ضمن «المواقع الهامة للطيور المائية» وفق اتفاقية رامسار، رغم أنها لم تُدرج رسميًا ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ويؤكد خبراء بيئة أن إدراج الغابة ضمن قائمة التراث العالمي كان سيمنحها حماية دولية أقوى، غير أن الظروف السياسية والاقتصادية حالت دون ذلك، لتجد نفسها اليوم بلا حماية فعلية في ظل الحرب.
«رئة الخرطوم» تحت الخطر
لم تكن غابة السنط مجرد محمية طبيعية، بل لعبت دورًا حيويًا في التوازن البيئي للعاصمة، حيث ساهمت في تنقية الهواء، وتخفيف درجات الحرارة، والحد من التلوث، فضلًا عن كونها متنفسًا ترفيهيًا لسكان الخرطوم.
وخلال الأعياد والمناسبات الوطنية والدينية، كانت الغابة تستقبل آلاف العائلات من مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، أم درمان، بحري)، لتتحول إلى فضاء اجتماعي وثقافي يجمع بين الطبيعة والحياة اليومية.
كيف دُمرت الغابة؟
بحسب ناشطين ومراقبين، تعرضت غابة السنط خلال الحرب لعمليات قطع جائر للأشجار، بعضها بدافع الحصول على الحطب والفحم في ظل انقطاع الوقود والكهرباء، وبعضها الآخر لأغراض عسكرية أو بسبب التمدد العشوائي ونهب الموارد.
ويشير خبراء إلى أن الأشجار الكبيرة، التي استغرقت عقودًا لتنمو، كانت الهدف الأكبر، ما يجعل الأضرار شبه غير قابلة للتعويض على المدى القصير أو المتوسط.
أثر بيئي طويل الأمد
الدمار الذي لحق بغابة السنط لا يقتصر أثره على المشهد الطبيعي فحسب، بل يمتد إلى تغيّر المناخ المحلي داخل العاصمة، وزيادة درجات الحرارة، وتراجع التنوع الحيوي، فضلًا عن فقدان موائل الطيور والحيوانات الصغيرة.
كما يحذر مختصون من أن فقدان الغطاء النباتي عند ملتقى النيلين قد يؤدي إلى تدهور التربة وزيادة مخاطر التعرية والفيضانات، ما يضيف عبئًا بيئيًا جديدًا على مدينة تعاني أصلًا من هشاشة البنية التحتية.
غابة السنط في سياق دمار أوسع
ويرى مراقبون أن ما حدث لغابة السنط ليس حالة معزولة، بل جزء من نمط أوسع من التدمير البيئي الذي طال مساحات خضراء واسعة في الخرطوم، بما في ذلك الحدائق العامة والأحزمة الخضراء، في ظل غياب الدولة وانشغالها بالحرب.
ويحذر ناشطون من أن استمرار هذا النهج سيحوّل الخرطوم إلى مدينة إسمنتية خانقة، تفتقد لأبسط مقومات الحياة البيئية السليمة.
مطالبات بالحماية وإعادة التأهيل
في أعقاب نشر الفيديو، تجددت دعوات من ناشطين وخبراء بيئة لإطلاق حملة وطنية لحماية ما تبقى من غابة السنط، ووقف أي اعتداءات جديدة عليها، تمهيدًا لوضع خطة شاملة لإعادة التأهيل بعد انتهاء الحرب.
وتشمل هذه المطالبات:
- إعلان الغابة منطقة محمية مشددة الحراسة
- إشراك المنظمات البيئية المحلية والدولية في عمليات الترميم
- إعادة زراعة الأشجار المحلية المتكيفة مع البيئة
- إدراج الغابة ضمن أولويات إعادة إعمار الخرطوم
معركة من نوع آخر
تكشف مأساة غابة السنط أن الحرب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار العمراني، بل بما تتركه من آثار عميقة على البيئة والذاكرة الجمعية والحق في الحياة الصحية. فالغابة التي صمدت لعقود أمام تقلبات الطبيعة، وجدت نفسها عاجزة أمام عنف الإنسان وسلاحه.
وفي وقت ينشغل فيه السودانيون بوقف الحرب وإعادة بناء الدولة، تبدو معركة إنقاذ ما تبقى من غابة السنط معركة لا تقل أهمية، لأنها تتعلق بمستقبل الخرطوم نفسها، وبحق أجيالها القادمة في مدينة قابلة للحياة، لا مجرد أطلال خضراء اندثرت تحت رماد الصراع.