توتر غير مسبوق بين السعودية والإمارات بعد إجبار طائرة إماراتية على العودة من الأجواء اليمنية
تشهد الساحة اليمنية تطورًا لافتًا يعكس حجم التحولات داخل محور التحالف العربي، بعد حادثة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ ثماني سنوات، حين أجبرت المملكة العربية السعودية طائرة إماراتية تحمل ضباطًا عسكريين على العودة من الأجواء اليمنية عقب تحذير شديد اللهجة بإمكانية إسقاطها. وتأتي هذه الحادثة في وقت بالغ الحساسية، حيث تتصاعد الخلافات بين الرياض وأبوظبي حول مسارات النفوذ جنوب اليمن، وتزداد التوترات المرتبطة بإدارة الملفات الأمنية في حضرموت وعدن وسقطرى، ما جعل الحدث يتجاوز إطار الطيران ليصبح مؤشرًا على تباينات سياسية وعسكرية أكثر عمقًا.
وتشير المعلومات الأولية، بحسب ما نشره موقع «البوابة الإخبارية اليمنية» ومصادر دبلوماسية متعددة، إلى أن طائرة إماراتية من طراز Fanjet Express B737-476 pax-config، وتحمل الرقم 5Y-FQA، كانت في مهمة رسمية مستأجرة لصالح حكومة الإمارات العربية المتحدة. وقد أقلعت الطائرة من قاعدة الريف الجوية في أبوظبي باتجاه مطار سيئون في محافظة حضرموت شرق اليمن، حيث كان من المفترض أن تُقلّ ضباطًا إماراتيين مرتبطين بالترتيبات الأمنية للفصائل المدعومة من أبوظبي في الجنوب. لكن الرحلة لم تكتمل، إذ تلقت الطائرة، فور دخولها المجال الجوي السعودي، إنذارًا من القوات الملكية الجوية يمنعها من التقدم نحو الأجواء اليمنية.
وتضيف المصادر أن القوات السعودية لم تكتفِ بالإنذار، بل لوّحت بخيار إسقاط الطائرة في حال عدم امتثالها، وهو ما دفع الطاقم إلى تغيير مسار الرحلة والعودة فورًا إلى الإمارات. وقد أظهرت مواقع تتبع الملاحة الجوية أن الطائرة غادرت أبوظبي، ثم حلقت داخل الأجواء السعودية ووصلت إلى الحد الجنوبي، قبل أن تقوم بعدة حلقات لافتة قرب الحدود اليمنية – السعودية، ثم غادرت المجال الجوي السعودي عائدة إلى أبوظبي من دون الهبوط في اليمن. هذه الحركة غير المعتادة فسرتها تقارير المتابعة الجوية بأنها محاولة أخيرة للتفاوض على السماح بالعبور، قبل صدور قرار المنع النهائي.
وتكتسب هذه الحادثة أهميتها لأنها تأتي في سياق تزايد الخلافات السعودية – الإماراتية بشأن إدارة الملف اليمني، خصوصًا في المحافظات الجنوبية حيث تتباين رؤى الطرفين حول مستقبل النفوذ العسكري والسياسي. فمنذ بداية العام 2024، بدأت المملكة، وفق تقارير يمنية، بفرض قيود مشددة على حركة الطيران القادمة إلى مناطق النفوذ الإماراتي، خصوصًا عدن والريان في حضرموت، وهما المطاران اللذان ما يزالان مغلقين بقرار سعودي مباشر. ويمثل هذا الإغلاق رسالة واضحة من الرياض بأنها لن تسمح لإمارات بمواصلة إدارة الملف الجنوبي باستقلالية بعيدًا عن مصالح المملكة.
ويشير المختص في تتبع الملاحة الجوية «تيد ريتش» إلى أن رحلة الطائرة الإماراتية بدت غير معتادة منذ بدايتها، إذ انطلقت من قاعدة عسكرية إماراتية، واتخذت مسارًا مباشرًا نحو السعودية، ثم ظلت لوقت غير قصير تحلق في نمط دائري بمحاذاة الحدود اليمنية قبل أن تُجبر على العودة. ويقول ريتش إن هذا السلوك الجوي يعكس حالة من «الارتباك الدبلوماسي» بين الطرفين، إذ يبدو أن الإمارات كانت تعتقد أن الطائرة ستُمنح إذنًا بالمرور كما حدث في رحلات سابقة، إلا أن التعليمات السعودية المفاجئة أغلقت الأجواء تمامًا أمامها.
ويكشف مختصون في الشأن اليمني أن السعودية والإمارات، رغم تحالفهما المعلن، تخوضان صراعًا متصاعدًا على مناطق النفوذ جنوب اليمن، خصوصًا في حضرموت التي تمثل ثقلًا جغرافيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا مهمًا. فالإمارات تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتسعى إلى تعزيز حضوره داخل حضرموت، فيما تفضّل السعودية دعم تشكيلات بديلة تضمن لها نفوذًا مباشرًا في المحافظة الأكبر مساحة في اليمن، والأغنى بالموارد والمنافذ.
ومع هذا التباين، أصبح الجنوب ساحة صراع صامت بين الدولتين، يظهر أحيانًا في شكل إجراءات ميدانية مثل منع الرحلات الجوية أو تعطيل بعض التحركات العسكرية. وفي هذا السياق، تمثل حادثة اعتراض الطائرة الإماراتية أول صدام مباشر وعلني بين الجانبين، ما يعطي مؤشرات قوية على عمق الخلاف الذي بات يتجاوز الملفات التكتيكية إلى صراع إستراتيجي حول مستقبل اليمن.
وتعود جذور التوتر بين الرياض وأبوظبي إلى عدة ملفات، أبرزها الصراع على إدارة الموانئ والمطارات الجنوبية، والتنافس على التحكم بقوات “النخب” المحلية، والصراع على مناطق النفط والغاز في شبوة وحضرموت. كما تبرز الخلافات حول مستقبل الوحدة اليمنية، حيث تميل الإمارات إلى دعم توجهات الانفصال وتعزيز سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما تعلن السعودية دعمها لهيكل دولة موحدة أو بصيغة أقاليم فيدرالية، لكنها تشترط أن تبقى الدولة ضمن دائرة نفوذها المباشر.
وفي الأسابيع الأخيرة، بدا أن المملكة تتجه نحو إعادة رسم خارطة النفوذ في الجنوب من خلال سلسلة تحركات، مثل:
– فرض قيود صارمة على الطيران في مطارات عدن والريان.
– تعزيز انتشارها العسكري في وادي حضرموت.
– دعم تشكيلات جديدة بعيدة عن النفوذ الإماراتي.
– إدارة حركة الموانئ والمنافذ البحرية بصورة مباشرة.
هذه الإجراءات أزعجت أبوظبي التي ترى أن جهودها منذ 2015 في بناء قوات محلية موالية لها تُسحب منها تدريجيًا.
وتقول مصادر يمنية إن الضباط الذين كانوا على متن الطائرة الإماراتية كانوا في مهمة تهدف إلى ترتيب ترتيبات أمنية جديدة في حضرموت بعد تصاعد نفوذ القوات السعودية هناك، خصوصًا في ملف إدارة مطار الريان. وقد تكون هذه النقطة تحديدًا هي ما جعل السعودية تتخذ قرارًا حاسمًا بمنع الطائرة من الهبوط.
ومن زاوية أخرى، يرى محللون أن السعودية تريد إيصال رسالة بأن أي تغيّر في ترتيبات الجنوب لن يكون بقرار إماراتي منفرد، وأن الرياض لم تعد تقبل باستمرار الوضع الذي سمح لأبوظبي لسنوات بإدارة المدن الساحلية والملفات الأمنية بشكل واسع. ويشيرون إلى أن السعودية باتت تعتبر أن الحرب في اليمن في مرحلتها الأخيرة، وأن إعادة صياغة مستقبل الجنوب يجب أن تتم وفق أولوياتها هي، لا أولويات أبوظبي.
وبينما لم يصدر تعليق رسمي من الطرفين حتى الآن، إلا أن استمرار إغلاق مطاري عدن والريان بأمر سعودي يؤكد أن الأزمة ليست حادثًا عرضيًا، بل تطورًا في مشهد صراع طويل بين حليفين يجمعهما الهدف العام لكن تفرقهما الأهداف التفصيلية. وفي ظل التحولات الإقليمية الأوسع، وفي مقدمتها المصالحة السعودية – العمانية، والتقارب السعودي – القطري، ومساعي الرياض لخريطة نفوذ جديدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يبدو أن السعودية تعيد ترتيب أولوياتها بما يجعل اليمن جزءًا من نفوذها الاستراتيجي المباشر، وهو ما يضعها في مواجهة مع الإمارات التي بنت نفوذًا واسعًا هناك خلال السنوات الماضية.
وفي المحصلة، فإن حادثة إعادة الطائرة الإماراتية من الأجواء لا يمكن عزلها عن السياق الأكبر، حيث يتجه اليمن نحو مرحلة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية بصورة أكثر حدة، ويظهر فيها أن التحالف العربي فقد انسجامه القديم. وما لم يتم احتواء التوتر بين الرياض وأبوظبي، فمن المتوقع أن يشهد الجنوب اليمني مزيدًا من الصراع السياسي والعسكري، وقد تكون حادثة الطائرة مجرد بداية لسلسلة من التطورات التي ستعيد رسم خارطة القوة في البلاد.