تصعيد جديد في بابنوسة.. الجيش يتصدى لهجوم جديد من «الدعم السريع» رغم إعلان حميدتي لهدنة

0 450

شهدت مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، صباح الثلاثاء، تطوراً عسكرياً لافتاً، بعدما أقدمت قوات الدعم السريع على قصف مقر الفرقة 22 مشاة باستخدام المدفعية الثقيلة قبل أن تشن هجوماً مباشراً على المواقع العسكرية المحيطة بالمدينة، في وقت تواصل فيه الميليشيا إعلانها قبول هدنة جديدة مدتها ثلاثة أشهر.


الهجوم الأخير أعاد إلى الواجهة الجدل المتصاعد حول حقيقة نوايا “الدعم السريع” تجاه ما تسميه مبادرات “وقف إطلاق النار”، في ظل اتهامات متكررة بأن تلك الإعلانات ليست سوى مناورات سياسية تهدف لكسب الوقت وإعادة التموضع العسكري.

هجوم متزامن مع زيارة مستشار ترامب للإمارات

تزامن الهجوم على بابنوسة مع زيارة يجريها حالياً مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، إلى دولة الإمارات.


مصادر سياسية متعددة ربطت بين هذا التوقيت وبين إعلان “الدعم السريع” عن قبول هدنة جديدة، معتبرة أن الخطوة جزء من “تحركات علاقات عامة” صُممت لإظهار الميليشيا كطرف منفتح على الحلول أمام الإدارة الأمريكية المحتملة في المرحلة القادمة.

وبحسب مراقبين، فإن الإمارات -التي تتعرض لاتهامات متكررة من أطراف سودانية بدعم الميليشيا- تحاول تقديم نفسها كوسيط قادر على التأثير على طرفي القتال. لكن الهجوم الواسع على بابنوسة رفع مستوى الشكوك حول مصداقية تلك الجهود.

الجيش يتصدى للهجوم ويكبد المهاجمين خسائر

مصدر عسكري من داخل الفرقة 22 مشاة ذكر أن القوات المسلحة تصدت للموجة الأولى من الهجوم باستخدام الأسلحة المتوسطة، قبل أن تنجح في تشتيت القوة المهاجمة وإجبارها على التراجع من محيط المدينة.
وأكد المصدر أن الجيش “كبد القوات المهاجمة خسائر كبيرة في العتاد والأفراد”، مشيراً إلى أن قوات الاستطلاع الجوي في المنطقة لاحقت المجموعات المنسحبة لمسافات بعيدة عن مواقع الاشتباك.

هذا الهجوم يعد واحداً من أكبر الهجمات التي تشنّها الميليشيا على مناطق كردفان خلال الأسابيع الماضية، في ظل استمرار الجيش في عمليات عسكرية تهدف إلى استعادة زمام المبادرة في إقليم دارفور، الذي بسطت الميليشيا سيطرتها على معظم مدنه الرئيسية منذ سقوط الفاشر في أكتوبر الماضي.

قائد قوات العمل الخاص: الهدنة «فخ سياسي»

الرائد فتح العليم الشوبلي، قائد قوات العمل الخاص بولاية سنار، علّق على إعلان الهدنة الأخير قائلاً إن قائد الدعم السريع لا يذهب عادة لإعلان هدنة إلا بعد إعداد خطة مسبقة لنقضها.
وأضاف:

“هذه الهدنة ليست الأولى التي يعلنها قائد الميليشيا قبل أن يلتف عليها بعمليات عسكرية أكثر ضراوة، والوقائع السابقة تثبت ذلك.”

تصريحات الشوبلي جاءت في سياق انتقادات واسعة داخل المؤسسة العسكرية لخطوة الهدنة التي أعلنها حميدتي، والتي رأى فيها كثيرون مناورة تهدف إلى كسب التعاطف الدولي مع الميليشيا في وقت تخسر فيه مواقع في عدة ولايات.

انتقادات حكومية: إعلان الهدنة «لا يعكس الواقع»

وزير الثقافة والإعلام والسياحة، الأستاذ خالد الإعيسر، اعتبر في تصريح رسمي أن إعلان قائد الدعم السريع “لا يتجاوز كونه مناورة سياسية مكشوفة تتناقض مع الواقع الحقيقي على الأرض”.
وأوضح الإعيسر أن الميليشيا “ارتكبت انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين في عدد من المدن”، مشيراً إلى أن إعلانها هدنة لأسباب إنسانية “يتعارض مع سلوكها العسكري خلال الأشهر الماضية”.

وقال الوزير إن المجتمع الدولي شهد بنفسه طريقة تعامل الميليشيا مع اتفاقات وقف إطلاق النار في اتفاق جدة، حيث التزم الجيش ببنود الاتفاق بينما قامت الميليشيا، بحسب وصفه، باستغلال فترات الهدن لإدخال شحنات كبيرة من السلاح والعتاد إلى المناطق المكتظة بالسكان وخاصة العاصمة الخرطوم.
وأشار الإعيسر إلى أن “من لا يلتزم بتعهداته السابقة لا يمكن الوثوق بوعوده الجديدة”.

كما دعا الوزير المجتمع الدولي إلى تقديم معاناة السودانيين على أي حسابات سياسية، والضغط على الميليشيا للالتزام بخارطة الطريق التي قدمها رئيس مجلس السيادة الانتقالي للأمم المتحدة.

محلل أمريكي: الشكوك مبررة

وتعليقاً على إعلان الهدنة، قال الدبلوماسي والمحلل الأمريكي كاميرون هدسون إن أي وعد بإيقاف إطلاق النار أو حماية المدنيين من طرف واحد يجب التعامل معه “بقدر كبير من الشك”.
وأضاف هدسون أن قوات الدعم السريع أمضت كامل فترة الحرب “وهي تقوض كل الدعوات للحوار أو لوقف القتال”، مستبعداً أن يكون الإعلان الأخير خطوة جادة نحو تهدئة الأوضاع.

كما أشار إلى أن توقيت هذه الإعلانات غالباً ما يكون مضبوطاً “عبر مستشاري العلاقات العامة الإماراتيين” في محاولة لإظهار الميليشيا كطرف إيجابي أمام الرئيس السابق ترامب، الذي يتابع الملف السوداني بقدر من الاهتمام.

العمليات العسكرية في كردفان.. بوابة إلى دارفور

منذ مطلع نوفمبر، كثّف الجيش السوداني عملياته العسكرية في ولايات كردفان، ويعتبرها جزءاً من خطة أكبر تهدف إلى فتح محاور باتجاه دارفور، التي باتت جميع عواصم ولاياتها تقريباً تحت سيطرة الدعم السريع.
ويرى محللون عسكريون أن تحرير مناطق كردفان يمثل نقطة ارتكاز استراتيجية تسمح للجيش بإعادة تنظيم قواته والتقدم نحو دارفور عبر مسارات أسهل من الناحية اللوجستية.

وتشير تقديرات ميدانية إلى أن الميليشيا تنقل جزءاً كبيراً من إمداداتها عبر طرق تمتد من الحدود الغربية وصولاً إلى تخوم كردفان، الأمر الذي يجعل السيطرة على هذه الطرق عاملاً حاسماً في تغيير موازين القوى.

السياق السياسي للهدنة وارتباطها بالتحركات الخارجية

إعلان الهدنة الجديد يأتي في ظل حالة من الجمود السياسي، مع ازدياد تحركات دولية وإقليمية للبحث عن مخرج للأزمة.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن زيارة مستشار ترامب للإمارات تحمل في طياتها مساعي لإعادة واشنطن إلى قلب المشهد السوداني بعدما تراجع دورها خلال الفترة الماضية.

ويرجح مختصون أن إعلان الميليشيا قبول الهدنة كان موجهاً بالدرجة الأولى لإظهارها كطرف “متجاوب” أمام هذه الزيارة، خاصة أن ترامب أرسل عدة إشارات سابقة حول اهتمامه بالملف السوداني في حال عودته للحكم.

هل تصمد الهدنة؟

على الرغم من إعلان “الدعم السريع” موافقته على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، إلا أن الكثير من الأصوات، سواء داخل السودان أو خارجه، تتعامل مع التصريح بحذر شديد.
فالأحداث الميدانية، مثل الهجوم على بابنوسة، تعزز الاعتقاد بأن المشهد العسكري لا يعكس رغبة حقيقية في التهدئة، بل يشير إلى محاولة لتحقيق مكاسب إضافية على الأرض قبل الدخول في أي مفاوضات مستقبلية.

الهجوم على بابنوسة والتطورات المصاحبة له تكشف عن تزايد الفجوة بين الخطاب السياسي للميليشيا والسلوك العسكري على الأرض.
كما تؤكد أن الطريق إلى هدنة حقيقية لا يزال بعيداً، وأن أي تحرك نحو اتفاق دائم يحتاج إلى ضمانات قوية ووجود طرف دولي قادر على فرض الالتزام.

وفي ظل استمرار القتال في مناطق واسعة من السودان، تبقى قضية حماية المدنيين وإنهاء معاناتهم الإنسانية أكبر بكثير من أن تُحل عبر تصريحات سياسية أو بيانات إعلامية، في وقت ينتظر فيه السودانيون خارطة طريق واضحة تعيد إليهم الأمل في نهاية قريبة لهذه الحرب الطويلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا