
في تحرك دبلوماسي أثار موجة من التساؤلات والتحفظات، تقدم مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بمقترح جديد لوقف إطلاق النار في السودان لمدة 90 يوماً، رفضته الحكومة تاسيسًا على رؤيتها المعلنة لاستئناف التفاوض.
المقترح، الذي بدا في ظاهره محاولة لإحلال السلام، حمل في طياته بنوداً، أعادت إلى الواجهة الشكوك حول حقيقة الموقف الأمريكي من الأزمة السودانية.
فبينما يحقق الجيش السوداني تقدماً ميدانياً متسارعاً في كردفان والنيل الأزرق، يأتي مقترح يكرس سيطرة المليشيا على أراضٍ شاسعة، ويطرح سؤالاً محورياً: هل تسعى واشنطن لإنهاء الحرب، أم لإنقاذ المليشيا من هزيمة محققة؟
ماذا يتضمن المقترح الجديد؟
بحسب ما كشفته منصة “العنوان 24″، يقوم المقترح الأمريكي الجديد على فكرة “الانسحاب المحدود” لقوات الدعم السريع من عدد من المدن، مقابل السماح لها بـ”إعادة التموضع” داخل نطاقات جغرافية محددة أُطلق عليها اسم “نقاط التماس”. هذه الآلية، وفق المقترح، تحدد مناطق انتشار القوات وسيطرتها خلال فترة الهدنة التي تستمر 90 يوماً.
لكن القراءة المتأنية لخريطة “نقاط التماس” تكشف عن كارثة سياسية وقانونية:
في دارفور يحق للمليشيا الاحتفاظ بمواقعها في الإقليم، مما يعني اعترافاً ضمنياً بسيطرتها على مساحات شاسعة من غرب السودان.. وفي كردفان يمنح المقترح المليشيا السيطرة على أجزاء واسعة من الإقليم.. في الشمال يسمح المقترح للمليشيا بالانتشار في نطاق من الولاية الشمالية يمتد بمحاذاة دارفور حتى المثلث الحدودي مع مصر وليبيا، في سابقة خطيرة تمنحها موطئ قدم على حدود استراتيجية حساسة.
وفي المقابل يطلب المقترح انسحاب المليشيا من مناطق في ولاية النيل الأزرق فقط!
والأخطر من كل ذلك، أن المقترح “لا يتضمن جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء إعادة التموضع أو استعادة سلطة الدولة على تلك المناطق”. بمعنى آخر، هو اتفاق لوقف إطلاق النار يتحول عملياً إلى اعتراف بشرعنة وجود المليشيا، دون أي ضمان لإنهاء هذا الوجود لاحقاً.
الحكومة تتمسك بالانسحاب الكامل
جاء الموقف الحكومي السوداني واضحاً وحاسماً. فقد كشفت مصادر رسمية أن الحكومة “تحفظت” على مقترحات بولس الجديدة، وجددت تمسكها بموقفها الذي سبق أن أعلنته في ردها على الورقة الأمريكية السابقة.
وكان مجلس الأمن والدفاع السوداني، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قد أقر اشتراط الحكومة انسحاب قوات الدعم السريع من كل المواقع التي تنتشر فيها في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق. وهذا الانسحاب، وفق الموقف الحكومي، يجب أن يتم على ثلاث مراحل، مع تجميع قوات المليشيا في نقاط محددة، تمهيداً لحل نهائي للملف العسكري.
الفجوة بين الموقفين واضحة: واشنطن تريد انسحاباً محدوداً يبقي المليشيا في مناطق نفوذها، بينما تصر الخرطوم على انسحاب كامل وغير مشروط. وبين الموقفين، ثمة مسافة شاسعة يصعب جسرها.
ماذا يعني المقترح على الأرض؟
إذا تم تنفيذ مقترح بولس، فإن الخريطة السياسية والعسكرية للسودان ستتغير على النحو التالي:
1. تقنين الاحتلال: ستتحول “نقاط التماس” إلى حدود أمر واقع، تقسم السودان إلى مناطق نفوذ موزعة بين مناطق تسيطر عليها الحكومة، وأخرى تسيطر عليها المليشيا. هذا الوضع الشاذ، إن استمر، سيكون مقدمة لسيناريو التقسيم الذي طالما حذر منه السودانيون.
2. مكافأة المليشيا على جرائمها: بعد ثلاث سنوات من الحرب، وبعد فظائع موثقة في دارفور وكردفان والجزيرة، يأتي مقترح يمنح المليشيا شرعية السيطرة على أراضٍ شاسعة، وكأن شيئاً لم يكن. هذا ليس سلاماً، بل هو مكافأة للمعتدي على حساب الضحية.
3. وأد فرصة استعادة الدولة: غياب جدول زمني لإنهاء “نقاط التماس” يعني أن هذه المناطق قد تتحول إلى دويلة مصغرة للمليشيا، تعطل أي مشروع لاستعادة سيادة الدولة وتوحيد البلاد.
4. شريان حياة للمليشيا المحاصرة: في وقت يحقق فيه الجيش تقدماً ميدانياً متسارعاً، يمنح هذا المقترح المليشيا فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب صفوفها، وتعزيز تحصيناتها، تمهيداً لجولات قادمة من الحرب.
قراءة مقترح بولس مع التقدم العسكري للجيش
جاء مقترح بولس في وقت يحقق فيه الجيش السوداني تقدماً ميدانياً متسارعاً على عدة جبهات:
ففي كردفان أعلن الجيش فرض سيطرته على مناطق أم قرفة وأم سيالة وجبرة الشيخ، واسترداد مدينة بارا، وتحرير أم قرفة وجريجخ بشمال كردفان. والأهم من ذلك، سيطر الجيش على طريق الصادرات الذي يربط الأبيض بأم درمان، وهو شريان استراتيجي يربط غرب السودان بوسطه.
هذا التقدم يعني تضييق الخناق على المليشيا في كردفان، وقطع خطوط إمدادها.
وفي دارفور: ما يحدث في دارفور ليس أقل أهمية. فالجيش والقوة المشتركة يواصلان تقدمهما نحو الجنينة، آخر معاقل المليشيا في غرب دارفور. وقد وصف حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، الموقف بقوله: “إن ما تحقق اليوم ليس نهاية معركة، بل بداية مرحلة جديدة من الحسم”.
في هذا السياق، يبدو مقترح بولس وكأنه محاولة لوقف الزحف العسكري للجيش، وتجميد الوضع عند خطوط تمنح المليشيا فرصة للبقاء. إنه مقترح يتناقض تماماً مع اتجاه المعارك على الأرض، ويحاول فرض واقع سياسي يتجاوزه الواقع العسكري.
موقف المليشيا.. صمت مريب
حتى الآن، لم تصدر مليشيا الدعم السريع موقفاً رسمياً واضحاً من المقترح الأمريكي الجديد. هذا الصمت يمكن تفسيره بأنها، في الغالب، ستقبل بالمقترح الذي يمنحها أكثر مما يمكن أن تحلم به في ساحة المعركة. الصمت قد يكون موافقة ضمنية.
وأيضاً قد يكون الصمت مناورة تفاوضية، تختبرالمليشيا تختبر ردود الفعل، وتستعد للمطالبة بمزيد من المكاسب قبل إعلان موافقتها.
كما لا يبعد أن يكون مؤشراً على انقسام داخلي، بسبب التقدم العسكري للجيش، وقد يتسبب في انقسام داخل قيادة المليشيا بين من يريد التفاوض ومن يريد مواصلة القتال.
سلام أم استسلام؟
مقترح مسعد بولس الجديد ليس مجرد مبادرة سلام، بل هو اختبار للإرادة السودانية.
فالقبول بمقترح يكرس وجود المليشيا على أجزاء واسعة من التراب الوطني هو سلام استسلام، وليس سلام كرامة. وهو اعتراف بأن الحرب التي دمرت البلاد وقتلت مئات الآلاف وشردت الملايين، يمكن أن تنتهي بجائزة للمعتدي.
وعلى واشنطن، إذا كانت جادة في إنهاء الحرب، أن تدرك أن السلام في السودان لن يمر عبر “نقاط تماس” تقسم البلاد، بل عبر استعادة كاملة لسيادة الدولة، وتفكيك المليشيا، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وبناء جيش وطني موحد.
وأي مقترح لا يبدأ من هذه المبادئ، هو ليس مقترح سلام، بل هو خارطة طريق لتقسيم السودان وإطالة أمد الحرب.
المصدر: الطابية











