
كتب: عبد المحمود نور الدائم: لم تكن أزمة التطبيقات المصرفية بالأمس مجرد أزمة عابرة، ولا عطلًا تقنيًا يمكن تداركه ببيان أسف يصدر في منتصف الليل كالعادة، لكن ما حدث أمس لا يمكن وصفه إلا بالفضيحة الرقمية مكتملة الأركان.
ففي ووقت تتجه فيه الدولة بثقة نحو رقمنة المعاملات المصرفية، وتحجيم الكتلة النقدية الورقية بحجة الأمان والنهضة والتطور، وإجبار المواطن على ترك “الكاش” والوثوق بالشاشات، جاءت فضيحة يوم أمس أن كل التطبيقات البنكية بلا استثناء، في ذروة الزحام الشرائي وقبل أيام من عيد الأضحى، أصيبت بشلل تام.
نعم، شلل، ليس تعطلًا بسيطًا، بل انهيار كامل للبنية التحتية الرقمية التي راهن عليها الملايين. والناس في أشد الحاجة إلى السيولة لشراء الأضاحي والملابس وتجهيزات العيد، وإذا بالتطبيقات ترد عليهم بصمت مطبق أو شاشات تحميل لا تنتهي او اهتزاز مخيب “رجفة بنكك” كما يسموها.
تطبيق بنكك على وجه الخصوص نال جائزة “بطل الفشل المصرفي” لهذا الأسبوع كعادته،التطبيق الأكثر انتشارًا والأعلى ثقة بين الناس، وقف عاجزًا وكأنه لم يصنع ليكون مصرفًا لحفظ المال والتعامل به وقت الحوجة بل لعبة تختبر أعصاب المستخدمين وصبرهم، والإدارة هناك، على حد وصف المواطنين، “عاملة أضان الحامل طرشاء”، لا تسمع، لا ترى، ولا ترد،بل تستفز المواطن بإعلان بسيط أن “بنكك مضمون ونخدمكم بكل ترحاب”
التجار تعطلت حركتهم، الموظفون لم يستلموا رواتبهم، حوالات الولايات توقفت، والأسواق كادت أن تشلّ،المرضى في المستشفيات،حركة السفر،كل شيء توقف منتظرا رحمة بنكك، كل هذا بدون أي مسؤولية أو توضيح أو حتى اعتذار حقيقي.
أما تطبيق “أوكاش”، الذي كان حتى الأمس القريب نموذجًا في السرعة والاستقرار، فانطبق عليه المثل الشعبي: “الحمار شكّروه رقد”. بعد أن نال ثقة المستخدمين وأشادوا به، قرّر فجأة أن ينافس “بنكك” في القاع، ويتوقف بطريقة أكثر إيلامًا لأنها كانت مخيبة للآمال.
وتطبيق فوري رغم أنه ربما الأقل تعطلا إلا أنه أبت نفسه إلا أن يشارك بقية التطبيقات موسم الموت الجماعي ويساهم في زيادة معاناة الشعب السوداني .
نحن لسنا ضد الرقمنة، بل معها بقوة. لكن هذه ليست رقمنة، هذه مغامرة بأموال الناس وأعصابهم وحياتهم، الفضيحة يا سادة ليست مجرد عطل تقني للتطبيقات فقط بل فضيحة للبنوك وللدولة الرقمية المزعومة، الفضيحة أن بنوكنا اجبرت المواطنين على المعاملات الربوية تحت وطأة الأزمة، حيث يُباع “الكاش” بنسبة 20% في السوق لأن التطبيقات قررت أن تأخذ إجازة في غير وقتها.
في هذه الأيام المباركة، كان المفترض أن تشتعل شاشات الهواتف بالتبريكات والتحويلات العائلية وحركة البيع والشراء . لكن ما اشتعل هو غضب المواطنين، ودعواتهم ولعناتهم على إدارات البنوك التي لم تتحرك ولو بمجرد توضيح.
يا حكومتنا الموقرة لا رقمنة بلا أمان، ولا مصرف إلكتروني بلا مسؤولية،الفضيحة التي رأيناها بأعيننا وسمعناها بآذاننا من شكوى الشعب السوداني أمس، لا يمحوها بيان ولا يعتذر عنها بدعاية سخيفة وليتحمل البنك المركزي مسؤوليته، وليحاسب من قصّروا، قبل أن يفقد المواطن ثقته المتبقية في كل ما هو رقمي.
والله المستعان











