في تطور عسكري وسياسي دراماتيكي، تمكنت القوات المسلحة السودانية من تحقيق اختراق نوعي في صفوف مليشيا الدعم السريع، بانضمام القيادي الثالث في المليشيا، اللواء النور أحمد آدم (المعروف بـ”النور القبة”)، إلى جانب نحو 80 عربة مسلحة إلى مناطق سيطرة الجيش.
يمثل هذا الانشقاق ضربة قاصمة للمليشيا، ليس فقط بسبب المنصب الرفيع الذي كان يشغله القبة، ولكن لأنه يُعد أحد “الآباء المؤسسين” للكيانات المسلحة التي تطورت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع. فمن هو النور القبة، ولماذا يُعتبر انشقاقه إيذانًا ببداية نهاية المليشيا؟
من هو النور قبة؟ الرجل الثالث في هرم الدعم السريع
ينحدر النور القبة من منطقة القبة بإحدى بوادي قبيلة المحاميد بشمال دارفور، وهو ليس اسمًا عابرًا في تاريخ المليشيا، بل هو أحد أبرز القادة الميدانيين والتاريخيين.
بدأت مسيرته العسكرية في العام 2003 بالانضمام إلى قوات حرس الحدود بقيادة الشيخ موسى هلال، ثم كان جزءًا من التمرد الذي قاده كل من محمد حمدان حميدتي (في جنوب دارفور) وإدريس حسن (في غرب دارفور) ضد الدولة في العام 2006. وبعد سنوات، تم تنسيبه إلى حرس الحدود برتبة عقيد، قبل أن يلتحق في العام 2017 بمليشيا “الدعم السريع” برتبة لواء.
وصولاً إلى اللحظة الراهنة، كان النور القبة يُصنف عمليًا باعتباره “الرجل الثالث” في المليشيا، بعد الأخوين دقلو (محمد حمدان وعبد الرحيم)، وكان أحد القلائل الذين يُعهد إليهم بقيادة أكبر وأهم العمليات الميدانية. قيادته الميدانية إلى جانب كونه من “النواة الصلبة” جعلت منه بمثابة “الصندوق الأسود” لمليشيا الدعم السريع؛ فهو يعرف تفاصيل التنظيم منذ نشأته وحتى الآن.
لماذا انشق الآن؟ “لعنة مستريحة” تفتت النسيج الداخلي
في هذا السياق، ظهر القيادي البارز “السافنا” في تسجيل صوتي مسرب، يعلن فيه تمرده ورفضه القتال، ويؤكد أن ما يحدث هو نتيجة حتمية لـ”الغدر” الذي تعرض له أبناء المحاميد في بادية مستريحة، محملًا قيادة المليشيا (الماهرية) مسؤولية انشقاق القبة.
حالة التصدع: السافنا يشهد على “الوهن” قبل القبة
لم يأت انشقاق النور القبة من فراغ، بل سبقته مؤشرات واضحة على حالة “التصدع والوهن” التي تعيشها المليشيا، وكان أبرزها التسجيل المسرب للقيادي علي رزق الله “السافنا”، وهو أحد المقربين من موسى هلال والنور قبة.
في التسجيل الذي أثار جدلاً واسعًا، تحدث “السافنا” بصراحة عن التململ الكبير داخل صفوف المليشيا، وأكد أن الأوضاع أصبحت “مزرية”؛ حيث تحولت المليشيا إلى إقطاعة عائلية تتحكم فيها أسرة واحدة (في إشارة لآل دقلو) دون الرجوع للقيادات الميدانية التاريخية.
كشف “السافنا” أيضًا عن عمليات تصفية جسدية تطال القيادات الميدانية المستقلة، مشيرًا إلى أن المليشيا أصبحت تعيش حالة “تخوين وتشكيك” مستمرة، إضافة إلى فساد مالي وإداري طال رواتب المقاتلين والعتاد العسكري. هذه الاعترافات الصادمة من قيادي في قلب التنظيم رسمت صورة قاتمة لداخل المليشيا، وأكدت أن انهيارها لم يعد مسألة “إذا” بل “متى”.
القادم أعظم: هل يلي عثمان عمليات وغيره؟
قبل أسابيع من انشقاق النور القبة، تداول ناشطون أنباء عن استسلام القيادي الكبير “عثمان عمليات” بكامل قواته للقوات المسلحة. ورغم أن تلك الأنباء لم تؤكد بشكل قاطع، إلا أنها تعكس المزاج العام والترقب لموجة انشقاقات كبرى قد تضرب قيادات الصف الأول في المليشيا.
“عثمان عمليات” هو أحد أبرز القادة الميدانيين العسكريين في المليشيا، وله حضور كبير في إدارة العمليات العسكرية الكبرى. إذا ما تأكد التحاقه بالجيش، فإن ذلك سيوجه ضربة قاضية للمليشيا، لاسيما في ظل حالة التفكك المتسارعة.
مراقبون يؤكدون أن انضمام شخصيات بحجم النور القبة سيفتح الباب أمام قيادات أخرى كانت تنتظر “الفرصة المناسبة” لترك السفينة الغارقة، خاصة من مكونات قبيلة المحاميد التي تشعر بأنها مستهدفة من قيادة المليشيا الحالية.
ما بعد النور قبة: بداية النهاية لمشروع آل دقلو؟
يرى خبراء عسكريون أن انشقاق النور القبة “ليس كغيره من الانشقاقات”، بل هو بمثابة “دق مسمار في نعش الدعم السريع” وتشييعها إلى مثواها الأخير. ويضربون بمثال ما حدث بعد انشقاق القيادي أبو عاقلة كيكل، الذي أدى لخسارة المليشيا لولايتي الجزيرة وسنار وصولاً إلى الخرطوم، معتبرين أن انشقاق القبة قد يكون أكثر تأثيرًا، لأنه يتعلق بفك ارتباط “النواة الأولى” للتنظيم.
الكاتب الصحفي الصادق الرزيقي يتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة “تصدعاً كبيراً” في صفوف المليشيا، يصل إلى حد كتابة شهادة وفاتها، وذلك بسبب تفاقم الخلافات الداخلية وصراع الأفخاذ والبطون على خلفية “مأساة مستريحة”.
ويبقى القول إن انضمام النور القبة إلى القوات المسلحة ليس مجرد استسلام عسكري، بل هو إعلان عن نهاية مرحلة وبداية تفكك كيان بأكمله. فبعد أن كان “الدعم السريع” ورقة ضغط قوية تمارس بها فصائل معينة الابتزاز الوطني، يبدو أن صفحاتها قد طويت، وأن القادم سيكون أكثر إيلامًا لمن راهنوا على تمزيق السودان.











