فضيحة إدارية لوزارة الصحة تهز مستشفى أحمد قاسم للأطفال… قرار إقالة الإدريسي يفتح ملف “تجفيف” التخصصات الدقيقة بولاية الخرطوم
في تطور أثار موجة واسعة من الجدل في الأوساط الطبية والسياسية بولاية الخرطوم، أصدر وزير الصحة الولائي قراراً بإعفاء د. محمد عوض الكريم الإدريسي من منصبه مديراً عاماً لـ مستشفى أحمد قاسم التخصصي للأطفال، مع دمج إدارة المستشفى مع مستشفى أحمد قاسم للقلب والكلى وتكليف د. هدى حامد محمد الحسن بإدارة المؤسستين معاً.
القرار الذي جاء مفاجئاً، لم يُقابل بهدوء، بل أطلق سيلاً من الانتقادات الحادة، وفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة إدارة القطاع الصحي في الولاية، وحدود التدخلات السياسية في العمل الطبي، ومخاوف “تجفيف” المستشفيات التخصصية، خصوصاً تلك المعنية بصحة الأطفال في ظل ظروف إنسانية وصحية معقدة.
خلفية القرار… “اعتذار” أم إدارة عامة؟
بحسب إفادات متداولة وتصريحات نُسبت للدكتور الإدريسي، فإن جذور الأزمة تعود إلى واقعة حدثت قبيل إعادة افتتاح المستشفى في سبتمبر 2025، بعد فترة إغلاق أعقبت أحداث الحرب. وأوضح الإدريسي أن مسؤولاً رفيعاً بالوزارة زار المستشفى دون تعريف رسمي أو مرافقة بروتوكولية، ودار بينهما نقاش بدأ بسؤال “الجاهز شنو؟”، قبل أن يطلب الإدريسي معرفة هوية الزائر، ما أثار غضب الأخير وغادر المكان.
يقول الإدريسي إن تلك الواقعة تبعتها ضغوط متكررة تطالبه بتقديم اعتذار، وهو ما رفضه، معتبراً أن الأمر لا يستدعي ذلك، وأنه تصرف وفق مقتضيات العمل الإداري والمهني. ويرى أن قرار الإعفاء لم يستند إلى تقييم موضوعي للأداء، بل جاء نتيجة “صراع شخصي وسياسي”.
في المقابل، لم تصدر وزارة الصحة بالولاية بياناً تفصيلياً يوضح أسباب الإقالة بشكل مهني أو يقدم مبررات إدارية واضحة، ما زاد من حدة التكهنات، وفتح الباب أمام تفسيرات متعددة.
دمج الإدارتين… إعادة هيكلة أم إلغاء استقلالية؟
الشق الثاني من القرار، والمتعلق بدمج إدارة مستشفى الأطفال مع مستشفى القلب والكلى، كان الأكثر إثارة للقلق في أوساط الأطباء. إذ يرى منتقدو القرار أن المسألة لا تتعلق فقط بتغيير إداري، بل قد تمهد لإلغاء الاستقلالية الإدارية والمالية لمستشفى الأطفال، وتحويله إلى قسم تابع لمؤسسة أخرى.
الإدريسي حذر من أن القرار رقم (18) الخاص بتعيين مدير عام موحد ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل خطوة نحو تقليص دور مستشفى الأطفال تدريجياً، وربما إلحاقه مستقبلاً بأقسام الأطفال في مستشفيات أخرى ببحري، مثل مستشفى بحري التعليمي أو مستشفى الحاج الصافي، وهو مشروع – بحسب قوله – عارضه استشاريون كبار منذ سنوات.
ويرى أطباء أن الجمع بين إدارة مؤسستين تخصصيتين مختلفتين في طبيعة خدماتهما قد يرهق الإدارة ويضعف التركيز على قضايا الأطفال، خاصة أن طب الأطفال يتطلب بنية إدارية حساسة ومتابعة دقيقة للبرامج العلاجية والتغذوية والوقائية.
سياق معقد… مستشفى أعيد افتتاحه وسط نزيف الكفاءات
تأتي الأزمة في وقت بالغ الحساسية للقطاع الصحي بولاية الخرطوم. فمستشفى أحمد قاسم للأطفال أعيد افتتاحه في ظروف استثنائية، وسط هجرة واسعة للأطباء والكفاءات الصحية، ونقص حاد في الموارد والمعدات.
الصحفي مجاهد باسان أشار إلى أن مديراً يعمل في بيئة تعاني من شح الإمكانيات وخروج عدد كبير من الأطباء إلى خارج السودان، كان الأولى – بحسب رأيه – تكريمه ودعمه، لا إعفاءه. ولفت إلى أن الوزارة لم تقدم دفوعات واضحة تسند قرارها، بل بررت الدمج بعدم وجود طبيب أطفال متخصص بديل، وهو ما يطرح تساؤلاً منطقياً: إذا لم يوجد بديل، فلماذا الإقالة من الأساس؟
هذا السؤال بات محوراً رئيسياً في النقاش العام، خاصة أن المستشفى ظل يقدم خدماته رغم شح الدعم المالي، وفقاً لتصريحات الإدريسي الذي أكد أن الوزارة لم تقدم دعماً مالياً لإعادة الافتتاح، ما دفع الإدارة إلى البحث عن حلول عبر الشراكات والجهود الذاتية.
انتقادات سياسية… والي الخرطوم في دائرة الاتهام
الأزمة لم تتوقف عند حدود وزارة الصحة، بل امتدت لتشمل حكومة الولاية بأكملها. فقد كتبت الصحفية رشان أوشي أن حكومة ولاية الخرطوم بحاجة إلى تغيير شامل، متهمة بعض مسؤوليها بالاستقواء على الموظفين وممارسة ما وصفته بـ”البلطجة الإدارية”.
كما وجهت انتقادات مباشرة إلى والي الخرطوم أحمد يوسف حمزة، معتبرة أنه لم يتمكن من ضبط الأداء داخل مؤسسات الولاية، وأن حالة الفوضى الإدارية تعكس ضعفاً في القيادة وعدم القدرة على اختيار وتنظيم الكوادر.
هذه التصريحات زادت من تسييس القضية، وجعلتها تتجاوز إطار الخلاف الإداري لتصبح جزءاً من نقاش أوسع حول أسلوب إدارة المرحلة الانتقالية في مؤسسات الدولة.
تفاعل شعبي واسع… “كلنا الإدريسي”
على منصات التواصل الاجتماعي، تحولت القضية إلى حملة تضامن واسعة مع المدير المقال، تحت وسوم مثل “كلنا الإدريسي” و”مستشفى أحمد قاسم للأطفال خط أحمر”. واعتبر ناشطون أن ما يحدث يمثل نموذجاً لتغليب الاعتبارات الشخصية على المهنية، في قطاع حيوي يمس حياة الأطفال.
كوادر طبية حذرت من أن المساس باستقلالية المستشفى قد يعيد سيناريوهات سابقة لانهيار مؤسسات تخصصية، نتيجة قرارات دمج غير مدروسة أو تقليص للموارد. وأكد أطباء أطفال أن المستشفى يمثل ملاذاً أخيراً للعديد من الحالات المعقدة، وأن أي تغيير إداري يجب أن يتم وفق دراسة علمية شاملة، لا كرد فعل لخلافات شخصية.
بين الإصلاح الإداري وتجفيف المؤسسات
في قراءة أوسع، يرى مراقبون أن ما يجري يعكس معضلة أكبر في إدارة القطاع الصحي السوداني: هل يتم اللجوء إلى الدمج كوسيلة لترشيد الموارد في ظل الأزمة المالية، أم أن الأمر يتحول أحياناً إلى أداة لتقليص مؤسسات قائمة؟
الدمج الإداري قد يكون مبرراً في بعض السياقات، خاصة عندما تتداخل التخصصات أو تتشابه البنى التحتية. غير أن طب الأطفال، بطبيعته، يتطلب سياسات مستقلة، وبرامج تطعيم وتغذية وعناية مركزة متخصصة، ما يجعل استقلالية الإدارة جزءاً من جودة الخدمة.
المخاوف المطروحة حالياً لا تتعلق فقط بشخص الإدريسي، بل بمصير مستشفى تخصصي في بيئة صحية تعاني أصلاً من تراجع التمويل، وتضرر البنية التحتية، ونقص الكوادر.
الحاجة إلى شفافية ومراجعة
الجدل الدائر يكشف عن فجوة في التواصل بين صانع القرار والكوادر الطبية. فلو قدمت الوزارة مبررات واضحة، وأجرت تقييماً مهنياً معلناً لأداء الإدارة السابقة، ربما كان النقاش أقل حدة. أما في ظل غياب التوضيح، فإن الرواية الأقرب للتداول تصبح هي رواية المدير المقال وأنصاره.
ويرى خبراء إدارة صحية أن أي إعادة هيكلة ينبغي أن تسبقها دراسة أثر (Impact Assessment) توضح كيف سينعكس الدمج على جودة الخدمات، ومدة الانتظار، وتوفر الأسرة، وبرامج العناية المركزة للأطفال.
مستقبل مستشفيات الأطفال… اختبار للولاية
قضية إقالة الإدريسي ودمج مستشفى الأطفال مع القلب والكلى تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة حكومة ولاية الخرطوم على إدارة مؤسساتها بشفافية ومهنية. فالموضوع لم يعد شأناً إدارياً داخلياً، بل أصبح قضية رأي عام تمس واحدة من أكثر الفئات هشاشة: الأطفال المرضى.
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان القرار سيؤدي إلى تحسين الكفاءة الإدارية وتكامل الخدمات، أم أنه سيفتح الباب أمام تقليص تدريجي لدور مستشفى أحمد قاسم للأطفال. وفي كل الأحوال، فإن الحفاظ على الخدمات التخصصية للأطفال، في ظل واقع صحي هش، يجب أن يظل أولوية تتجاوز الحسابات الشخصية والسياسية.
تحذير من سيناريو تجفيف مستشفى جعفر بن عوف
وحذر ناشطون من أن تكون إقالة الإدريسي بداية لتكرار سيناريو مستشفى جعفر بن عوف للأطفال والذي جرى تجفيفه وتحويله لمستشفى مرجعي مما حرم الأطفال من تلقي العلاج مجانا والرعاية الطبية الكافية
وفي انتظار توضيحات رسمية شاملة من وزارة الصحة، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام إصلاح إداري مشروع، أم بداية مسار لتجفيف مستشفى ظل لسنوات عنواناً للرعاية التخصصية للأطفال في الخرطوم؟