اخبار السودان

تصاعد الانتهاكات في الضعين… حريق متعمد يلتهم عشرات المنازل وسط اتهامات لعناصر الدعم السريع

0 1٬588

في مشهد يعكس حجم الانفلات الأمني الذي تعيشه مدن إقليم دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، اندلع حريق هائل في حي الميناء البري بمدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور، بعد أن أقدم عنصر مسلح يتبع للقوة على إحراق منزل سيدة من قبيلة البرتي، في حادثة أثارت موجة غضب واسعة وسط السكان المحليين.

وبحسب إفادات مصادر محلية ، فإن الحادثة بدأت بمشادة كلامية عندما طالب العنصر المسلح السيدة بالحصول على مشروبات كحولية في وضح النهار خلال شهر رمضان، وعندما أبلغته بعدم توفرها لديها، تطور النقاش إلى إساءات ذات طابع عنصري، قبل أن يتجه المسلح إلى إشعال النار في المنزل بشكل متعمد.

الحريق لم يتوقف عند حدود المنزل المستهدف، بل امتد سريعاً ليطال نحو ثلاثين منزلاً مجاوراً، أتت عليها النيران بالكامل، وسط حالة من الذعر والهلع بين الأهالي، خاصة وأن النيران اندلعت في توقيت يشهد عادة هدوءاً نسبياً خلال ساعات الصيام. وأكد شهود عيان أن المسلح لوّح بسلاحه في وجه المواطنين لمنعهم من التدخل ومحاولة إخماد الحريق، قبل أن تصل عربة قتالية قامت بإجلائه إلى جهة غير معلومة.

انفلات أمني متكرر

الحادثة أعادت إلى الواجهة المخاوف المتصاعدة من تكرار الانتهاكات الفردية والجماعية في مدن دارفور التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع، حيث يشكو السكان من غياب مؤسسات الدولة وتراجع سلطة القانون، ما يفتح الباب أمام تصرفات مسلحة خارج إطار المساءلة.

ويرى مراقبون أن ما جرى في الضعين ليس حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سياق أوسع من مظاهر الفوضى الأمنية التي تضرب الإقليم منذ اندلاع الحرب في السودان. ففي العديد من المدن، بات المواطنون يعيشون تحت وطأة السلاح المنفلت، دون وجود أجهزة شرطة فاعلة أو مؤسسات قضائية قادرة على فرض النظام.

نيالا… النهب كسلوك يومي

في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، تتزايد شكاوى المواطنين من عمليات نهب متكررة تستهدف المنازل والمتاجر والأسواق. وتشير إفادات سكان محليين إلى أن بعض عناصر الدعم السريع يقومون بمداهمات لمنازل بحجة التفتيش أو البحث عن مطلوبين، قبل أن تنتهي العملية باختفاء ممتلكات ثمينة تشمل سيارات وأجهزة كهربائية ومبالغ نقدية.

وبحسب روايات متطابقة، فإن الأسواق الرئيسية في نيالا شهدت خلال الأشهر الماضية موجات من النهب طالت مخازن التجار، في ظل غياب تام لأي جهة رسمية قادرة على ضبط الأوضاع. ويقول أحد التجار إن “المدينة تحولت إلى ساحة مفتوحة، لا أحد يستطيع حماية ممتلكاته، وكل شيء معرض للمصادرة أو النهب تحت أي ذريعة”.

ويؤكد ناشطون محليون أن استمرار هذه الممارسات يفاقم الأزمة الاقتصادية في المدينة، حيث أغلقت عشرات المتاجر أبوابها، فيما نزح عدد من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج الإقليم خوفاً على حياتهم وممتلكاتهم.

الفاشر… حصار وفوضى وانهيار خدمات

أما في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، فتتخذ الأزمة أبعاداً أكثر تعقيداً. فالمدينة تعاني من حالة فوضى عامة وانعدام كامل للخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والرعاية الصحية. وتسببت الاشتباكات المتكررة في محيط المدينة والحصار الذي كان مفروض عليها في تعطيل سلاسل الإمداد، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية وانعدام بعضها.

ويقول سكان محليون إن المرافق الصحية لا تعمل كما تضررت شبكات المياه جراء القتال، ما أجبر الأهالي على اللجوء إلى مصادر غير آمنة، الأمر الذي ينذر بأزمات صحية وشيكة.

في ظل هذه الظروف، تبدو الفاشر مدينة منهكة، يعيش سكانها بين التهديد والخوف من الانفلات الأمني، دون أفق واضح لتحسن قريب في الأوضاع.

أزمة ثقة وغياب المساءلة

الحادثة التي شهدتها الضعين تسلط الضوء على أزمة أعمق تتعلق بغياب المساءلة القانونية. فبحسب شهود، جرى نقل العنصر المتهم بإحراق المنازل بواسطة عربة قتالية تابعة للقوة ذاتها، دون أي إعلان عن توقيفه أو فتح تحقيق رسمي في الواقعة.

ويرى محللون أن استمرار مثل هذه الحوادث دون محاسبة يعمّق حالة الاحتقان بين المكونات الاجتماعية في دارفور، ويهدد بتغذية النزاعات القبلية، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة والخطاب المتصاعد ذي الطابع العرقي.

دارفور بين السلاح والفراغ المؤسسي

بصورة عامة، تعكس التطورات في الضعين ونيالا والفاشر صورة قاتمة عن واقع مدن دارفور التي باتت تعيش حالة من عدم الاستقرار المزمن. فمع غياب مؤسسات الدولة وانقسام السلطة، يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع قوة السلاح، دون مظلة حماية قانونية.

ويحذر ناشطون من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع بمزيد من السكان إلى النزوح الداخلي أو اللجوء خارج البلاد، في ظل تآكل مقومات الحياة اليومية وانعدام الشعور بالأمان.

في المقابل، تتزايد الدعوات المحلية والدولية إلى ضرورة توفير حماية للمدنيين، وإعادة بناء مؤسسات إنفاذ القانون، ووقف الانتهاكات أياً كان مرتكبوها، باعتبار أن استقرار دارفور يمثل حجر الزاوية في أي تسوية سياسية شاملة للأزمة السودانية.

ومع استمرار التوترات، يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل مدن دارفور رهينة السلاح والانفلات، بينما يدفع المدنيون وحدهم ثمن صراع لا يملكون أدوات حسمه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا