اخبار السودان

الدعم السريع يستهدف منزل والي عبر المسيرات

0 1٬439

شهدت عدة مدن سودانية خلال الأيام الأخيرة تصعيداً لافتاً في استخدام الطائرات المسيّرة ضمن رقعة الحرب الدائرة في البلاد، حيث كثفت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو هجماتها الجوية على مناطق بعيدة عن خطوط المواجهات التقليدية، في تطور يعكس انتقال القتال تدريجياً إلى نمط حرب الاستنزاف وضرب العمق المدني والاقتصادي.

وفي أحدث الهجمات، تعرضت مدينة الأبيض صباح اليوم لقصف بطائرات مسيّرة استهدف مواقع داخل المدينة، من بينها منزل والي ولاية غرب كردفان، في حادثة أثارت حالة من الهلع وسط السكان، رغم عدم تسجيل خسائر بشرية بحسب مصادر محلية.

الأبيض: رسائل سياسية أكثر من عسكرية

لم يكن استهداف الأبيض حدثاً معزولاً، فالمدينة تُعد من أهم المراكز الحضرية في إقليم كردفان، كما تمثل عقدة مواصلات وإمداد حيوية بين غرب السودان ووسطه. ويشير مراقبون إلى أن ضرب منزل مسؤول حكومي يحمل دلالة سياسية أكثر من كونه هدفاً عسكرياً، إذ يهدف إلى إظهار قدرة القوات المهاجمة على الوصول إلى عمق المناطق التي تُصنف آمنة نسبياً.

وقال شهود عيان إن أصوات انفجارات متتالية سُمعت في أحياء متفرقة من المدينة، فيما سارعت السلطات إلى إغلاق بعض الطرق القريبة من موقع الاستهداف، بينما حلقت المضادات الأرضية لساعات تحسباً لهجمات إضافية.

ورغم عدم سقوط ضحايا، إلا أن الحادثة خلّفت حالة من القلق وسط المواطنين، خاصة مع تكرار الهجمات الجوية على مدن لا توجد فيها جبهات قتال مباشرة، ما دفع العديد من الأسر إلى التفكير في النزوح مرة أخرى بعد عودة تدريجية للحياة خلال الأشهر الماضية.

استهداف الدويم

وقبل يوم واحد فقط من هجوم الأبيض، تعرضت مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض لهجوم مماثل بطائرة مسيّرة، أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخرين، وفق مصادر طبية ومحلية.

الهجوم أعاد إلى الأذهان مخاوف انتقال الحرب من نطاقها العسكري إلى الاستهداف العشوائي للمراكز السكانية، حيث وقعت الضربة بالقرب من أحياء مدنية مأهولة.

ويؤكد سكان المنطقة أن المدينة لم تشهد أي اشتباكات عسكرية قبل الضربة، ما عزز الاعتقاد بأن الهدف من القصف هو بث الرعب وتعطيل الاستقرار النسبي الذي بدأت تشهده بعض ولايات الوسط.

استهداف الإغاثة: حرب على الاقتصاد والغذاء

لم تقتصر الهجمات على المدن، إذ تعرضت خلال الأسبوع الماضي قافلة مساعدات غذائية متجهة إلى مناطق جنوب كردفان للقصف، في حادثة وصفتها منظمات إنسانية بأنها خطيرة لأنها تستهدف سلاسل الإمداد الإنساني.

كما تم قصف جرار زراعي يحمل نحو 800 جوال ذرة مملوكة لأحد رجال الأعمال في منطقة المزموم بولاية سنار، ما أدى إلى تدمير الشحنة بالكامل.

ويرى اقتصاديون أن هذا النوع من العمليات يمثل انتقالاً واضحاً للحرب نحو “الاقتصاد المعيشي”، إذ يؤدي ضرب الغذاء والنقل والإغاثة إلى مضاعفة آثار الأزمة الإنسانية دون الحاجة للسيطرة على الأرض.

تكتيك جديد في الحرب

منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع، اعتمد الطرفان على المعارك البرية في المدن الكبرى، لكن الأشهر الأخيرة شهدت توسعاً في استخدام الطائرات المسيّرة، خاصة ضد أهداف بعيدة.

ويرى محللون عسكريون أن المسيرات منخفضة التكلفة مقارنة بالطيران الحربي، لكنها قادرة على إحداث تأثير نفسي واسع، إذ يصعب التنبؤ بمكان الضربة أو توقيتها، ما يخلق حالة من عدم الأمان حتى في المناطق المستقرة.

ويضيفون أن الحرب دخلت مرحلة “ضرب العمق”، حيث لم يعد الهدف السيطرة المباشرة بقدر ما أصبح إنهاك الخصم اقتصادياً ومعنوياً، ودفع السكان إلى النزوح وبالتالي إضعاف سلطة الإدارة المحلية.

الخوف يعود إلى المدن الآمنة

الهجمات الأخيرة دفعت سكان ولايات الوسط وكردفان إلى إعادة تقييم أوضاعهم الأمنية، خاصة أن كثيراً منهم نزح سابقاً من مناطق القتال الكبرى بحثاً عن الأمان.

ويقول مواطنون إن أخطر ما في المسيّرات ليس حجم الدمار فقط، بل أثرها النفسي، إذ لا توجد صفارات إنذار أو خطوط مواجهة واضحة، ويمكن أن تقع الضربة في أي وقت، وهو ما يعيد مشهد الحرب إلى حياة المدنيين اليومية.

ومع تكرار الضربات على المرافق المدنية والإمدادات الغذائية، بدأت مخاوف من موجة نزوح جديدة قد تزيد الضغط على المدن المستقبِلة التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وشح الموارد.

حرب بلا جبهات واضحة

تُظهر الهجمات على الأبيض والدويم وقوافل الغذاء أن الحرب السودانية تتجه نحو نمط أكثر تعقيداً، حيث تختفي الحدود التقليدية بين الجبهة والعمق. فالمدن البعيدة عن القتال لم تعد محصنة، والاقتصاد المحلي أصبح هدفاً مباشراً.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، لأن ضرب الغذاء والنقل يعني ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات حتى في المناطق التي لم تشهد معارك.

مستقبل التصعيد

في ظل غياب أي أفق سياسي واضح، يرجح متابعون استمرار هذا النوع من الهجمات، خاصة مع قدرته على إحداث أثر كبير بتكلفة محدودة. كما أن استهداف منازل المسؤولين والمساعدات الإنسانية يوحي بأن الصراع يتجه نحو الضغط السياسي والاجتماعي أكثر من الحسم العسكري السريع.

ومع كل ضربة جديدة، تتآكل فكرة “المدن الآمنة”، ويجد المدنيون أنفسهم في قلب المعركة دون أن يكونوا طرفاً فيها، بينما يبقى الحل السياسي بعيد المنال، وتبقى سماء السودان مفتوحة على احتمالات تصعيد أكبر قد يطال مناطق جديدة خلال الفترة المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا