ذهب السودان.. الشريان الخفي لتمويل الحرب وشبكات السلا-ح
الخرطوم-الزول
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظلّ السلاح هو العنوان الأكثر حضورًا في مشهد الصراع، لكن خلف خطوط النار، يتخفّى شريان آخر لا يقل خطورة، بل يشكّل المصدر الأول لتمويل المليشيات وتغذية الاقتصاد الموازي للحرب: ذهب السودان. هذا المعدن الثمين الذي كان يمكن أن يكون ركيزة للاقتصاد الوطني، تحوّل إلى محرك خفي لشبكات تهريب عابرة للحدود، وشريان مالي ضخم يغذّي المليشيات بالسلاح، ويُبقي نار الحرب مشتعلة بلا توقف.
ورغم أن الأضواء غالبًا ما تُسلّط على تدفق الأسلحة إلى السودان، إلا أن التحقيقات الدولية تشير بوضوح إلى أن الذهب هو بداية القصة ونهايتها؛ فهو الذي يمول عمليات التهريب، وهو الذي يُستخدم كعملة صعبة لشراء الأسلحة، وهو الذي يهرب بطرق معقدة تمتد من عمق المناجم إلى مطارات خاصة وممرات صحراوية لا تراقبها أي جهة رسمية.
شبكات عابرة للحدود.. كيف يخرج الذهب؟
تهريب الذهب السوداني ليس نشاطًا عشوائيًا، بل منظومة متكاملة تعمل عبر عدة مسارات رئيسية. تبدأ العملية من مواقع التعدين التقليدي والامتيازات الخاصة التي تنتشر في ولايات دارفور، نهر النيل، الشمالية، والبحر الأحمر. وتعمل شبكات من تجار الذهب والمليشيات المحلية والوسطاء الدوليين على تجميع كميات ضخمة من الذهب الخام، ثم نقله بطرق يصعب تتبعها.
بعض الشحنات تُنقل عبر طائرات خاصة تقلع من ممرات جوية غير رسمية في مناطق نائية، غالبًا ليلاً، متجهة نحو نقاط وسيطة، بينما يتم نقل كميات أخرى عبر قوافل صغيرة من الشاحنات والدراجات النارية التي تخترق الحدود عبر مسارات وعرة نحو ليبيا أو تشاد أو مصر. وتشير تقارير أممية إلى أن هذه القوافل تعتمد على شبكات تهريب تمتد لعقود، كانت تنشط سابقًا في تهريب البشر والمخدرات والسلاح، قبل أن تتحول إلى تجارة الذهب بفعل عائداتها الهائلة.
ورغم تعدد طرق التهريب، إلا أن الوجهة النهائية التي تتقاطع عندها المسارات هي الإمارات العربية المتحدة.
الإمارات.. مركز الجاذبية الأول لذهب السودان
تحولت الإمارات خلال السنوات الماضية إلى مركز عالمي لتجارة الذهب، حيث تستقبل نحو 20% من الذهب المتداول عالميًا بحسب تقارير السوق الدولية. وفي هذا السياق، يشير خبراء الأمم المتحدة إلى أن الذهب السوداني يشكّل نسبة معتبرة من واردات الإمارات، سواء عبر القنوات الرسمية أو—الأهم—عبر مسارات غير رسمية لا تُسجَّل في الأنظمة الجمركية.
وتظهر تقارير دولية أن بعض الشركات العاملة في تجارة الذهب بدبي ليست مجرد مشترٍ للذهب السوداني، بل جزء من منظومة أكبر لإعادة تدوير العائدات المالية. إذ يتم شراء الذهب نقدًا أو عبر وسطاء يعملون لحساب مليشيا الدعم السريع وشبكات تهريب أخرى، ثم تُعاد تدوير العائدات بتحويلها إلى حسابات خاصة تستخدم لشراء الأسلحة التي تجد طريقها إلى السودان مجددًا.
وتشير وثائق تسرّبت خلال السنوات الأخيرة إلى أن بعض المناجم السودانية الكبيرة تضم شركاء إماراتيين، وأن الحكومة السودانية لم تكن في كثير من الأحيان على علم بوجود تلك الشراكات إلا بالصدفة أثناء حملات تفتيش محدودة. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر: من يدير الذهب في السودان؟
سويسرا.. المحطة الهادئة لتبييض الذهب
على النقيض من حركة دبي الصاخبة، تبدو سويسرا بعيدة عن الصراع السوداني، لكنها في الواقع إحدى أهم محطات الذهب السوداني عالميًا. فسويسرا تُعد مركزًا عالميًا لصهر الذهب وإعادة تدويره، حيث تملك أكبر معامل تكرير للذهب في العالم. ووفق تقارير اقتصادية أوروبية، يصل الذهب السوداني إليها غالبًا بعد مروره عبر الإمارات، فيذهب إلى مصافٍ سويسرية بوصفه ذهبًا “مستورداً من الإمارات”، وليس من السودان، مما يمحو أثره الأصلي ويجعله صالحًا لإعادة الدخول إلى الأسواق العالمية بجودة فائقة وبأوراق قانونية.
هذا التسلسل—السودان → الإمارات → سويسرا—يشكل واحدًا من أكثر المسارات استخدامًا في تجارة الذهب الإفريقية غير الرسمية. وتؤكد منظمات أوروبية أن شركات تكرير سويسرية اضطرت خلال السنوات الأخيرة لمراجعة بياناتها بعد تحقيقات كشفت أن جزءًا من الذهب المستورد من الخليج يعود في الأصل إلى مناطق نزاع مثل السودان والكونغو.
وتشير تقارير وزارة المالية السويسرية إلى أن القانون السويسري لا يلزم الشركات بالتحقق بعمق من مصدر الذهب إذا كان يأتي من “دولة وسيطة” موثوقة، وهو ما يسمح بمرور الذهب السوداني عبر منظومة التجارة العالمية دون رقابة تُذكر.
ذهب السودان وتمويل الحرب: منجم يتحول إلى خندق
تبدو الصورة واضحة لأولئك الذين يتتبعون شبكة الذهب: كل جرام يُهرَّب خارج السودان يعود، بشكل مباشر أو غير مباشر، ليغذي طرفًا في الحرب. وفي حالة الدعم السريع، تبدو العلاقة أوضح من أي وقت مضى؛ فالمليشيا تسيطر على مواقع ذهب رئيسية في دارفور وجنوب كردفان، وتملك شبكة تهريب متجذرة منذ سنوات ما قبل الحرب، تمتد حتى حدود ليبيا وتشاد وتصل إلى أسواق الذهب في دبي.
وتشير تقارير خبراء الأمم المتحدة إلى أن الذهب هو الرافعة المالية الكبرى التي مكّنت الدعم السريع من شراء أسلحة متطورة، بما في ذلك الطائرات المسيرة، وأنشطة التجنيد، ودفع الرواتب، وتمويل الحملات الإعلامية، والحفاظ على خطوط إمداد لوجستية معقدة رغم العقوبات.
وفي المقابل، فإن الجيش السوداني—رغم امتلاكه حقول ذهب رسمية—لا يستفيد منها بالقدر ذاته، لأن جزءًا كبيرًا من الذهب يُهرَّب من مناجم تقع خارج سيطرته، أو يجري تقويض قيمته عبر عمليات السوق السوداء.
دورة مغلقة: الذهب يخرج والسلاح يعود
التحقيقات الدولية التي تابعت حركة الذهب السوداني تشير إلى وجود دورة مغلقة تُبقي الحرب مشتعلة:
- يخرج الذهب من المناجم السودانية غالبًا عبر مليشيات محلية مرتبطة بالدعم السريع.
- ينقل عبر طرق تهريب صحراوية أو جوية نحو الإمارات أو أسواق إقليمية أخرى.
- يُباع في دبي بأسعار تفضيلية أو يدخل ضمن عمليات “غسل ذهب” لإخفاء مصدره.
- تحوَّل العائدات إلى شبكات شراء أسلحة تعمل خارج الرقابة الدولية.
- تعود الأسلحة إلى السودان عبر طرق مشابهة لطرق خروج الذهب.
بهذه الطريقة، يمول الذهب الحرب، وتغذي الحرب استمرار تهريب الذهب، في حلقة جهنمية يصعب كسرها دون تدخل دولي حقيقي.
لماذا تتعثر محاولات وقف النزيف؟
يمثل الذهب أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الحرب السودانية، لسببين رئيسيين:
1. حجم العائدات المهولة
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن السودان يفقد سنويًا ما بين 4 إلى 6 مليارات دولار من الذهب المُهرَّب، وهي مبالغ كافية لتمويل حرب كاملة لسنوات.
2. تورط شبكات دولية يصعب تفكيكها
لا تعمل شبكات تهريب الذهب في السودان بمعزل عن العالم، بل تتشابك مع:
- شركات دولية في الإمارات،
- شبكات مالية تستخدم حسابات في آسيا والخليج،
- محطات صهر سويسرية،
- وسماسرة سلاح يعملون عبر دول الساحل وليبيا،
- ومهربين محليين يصعب ضبطهم في ظل انهيار الدولة.
الذهب مفتاح فهم الحرب.. ومفتاح إيقافها
عندما يتحدث الخبراء اليوم عن ضرورة تتبع “خط الذهب”، فهم يشيرون إلى أن أي محاولة لإيقاف الحرب في السودان ستفشل إذا لم يتم قطع شريان الذهب الذي يمول القتال. فالسلاح يمكن كبحه بالعقوبات، لكن الذهب—بسعره المرتفع، وقابليته للحمل، وسهولة تهريبه، وصعوبة تتبع مصدره—يمثل تحديًا هائلًا لأي سلطة تحاول خنق مصادر التمويل.
ولهذا السبب، يرى محللون أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب:
- فرض رقابة دولية على واردات الذهب في الإمارات وسويسرا،
- ربط كل شحنات الذهب بوثائق منشأ يمكن التحقق منها،
- إنشاء آلية شفافة لتصدير الذهب عبر الدولة السودانية،
- تفكيك شبكات التهريب داخل السودان وخارجه،
- وإعادة هيكلة قطاع التعدين ليصبح جزءًا من الاقتصاد الرسمي لا اقتصاد الحرب.
إن ذهب السودان ليس مجرد ثروة منهوبة، بل هو قلب منظومة الحرب كلها؛ هو الذي يمول السلاح، ويغذي شبكات التهريب، ويمنح المليشيات القدرة على الاستمرار. وهو في الوقت ذاته الحلقة الأضعف التي يمكن كسرها إذا وُجدت إرادة دولية حقيقية. فالحروب تنتهي حين تتوقف عن التمويل، والتمويل في السودان يبدأ من الذهب… وينتهي إليه.