بين الشائعة والحقيقة.. جدل حول مزاعم قصف مصري داخل السودان
في خضم تصاعد الأحداث في السودان، تداولت بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر مجموعة من المواطنين السودانيين يهتفون: “تحيا مصر والسودان، جيش واحد، شعب واحد”، مرفقًا بتعليق يزعم أن الطائرات المصرية المجهولة قصفت مليشيا الدعم السريع، وأن الشعب السوداني يرد بالهتاف لمصر تأييدًا لها.
غير أن مركز مكافحة الشائعات التابع لنقابة الإعلاميين المصريين سارع إلى نفي صحة هذه المزاعم، موضحًا بعد التحقق أن الفيديو قديم ولا علاقة له بالأحداث الجارية.
وأشار إلى أن المقطع نُشر لأول مرة في 29 سبتمبر 2024 خلال احتفالات الجالية السودانية في مصر بتقدم الجيش السوداني على المليشيات آنذاك.
وأكد المركز أن ربط الفيديو بالأوضاع الحالية محاولة متعمدة لتضليل الرأي العام، داعيًا إلى تحري الدقة قبل تداول أي محتوى على الإنترنت، لاسيما في ظل حساسية الأوضاع الإقليمية الراهنة.
كما شدد على أن مصر لم تتدخل عسكريًا في الشأن السوداني، وأن موقفها الثابت يقوم على دعم الحلول السياسية والحوار الوطني بين السودانيين.
وكانت نقابة الإعلاميين المصرية قد أطلقت مؤخرًا مركزًا متخصصًا لمكافحة الشائعات، ضمن استراتيجية تهدف إلى التصدي لفوضى المعلومات على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما تلك التي تستهدف العلاقات بين الدول العربية.
من جهة أخرى، ومع تصاعد الحديث عن “غارات جوية مجهولة” في بعض مناطق السودان، ظهرت ادعاءات غير موثقة تزعم أن طائرات أجنبية، وعلى رأسها المصرية، نفذت عمليات قصف داخل الأراضي السودانية
. وقد ساهمت تصريحات قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في تغذية هذه الروايات بعد أن اتهم القاهرة ضمنيًا بتنفيذ ضربات ضد قواته.
لكن وفقًا لتحليل عسكري ميداني أجراه خبراء سودانيون، لا توجد أي دلائل أو مؤشرات تقنية أو استخبارية تؤكد تدخل الطيران المصري في تلك العمليات.
وتشير المصادر إلى أن الضربات الجوية الأخيرة داخل السودان تمّت بتخطيط وتنسيق كامل مع القوات الجوية السودانية، ضمن إطار العمليات العسكرية التي تستهدف مواقع المليشيا المتمردة.
ويرى مراقبون أن ترويج مثل هذه المزاعم يندرج ضمن الحرب الإعلامية والنفسية التي تستخدمها بعض الأطراف لرفع المعنويات أو لكسب التعاطف الشعبي، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا وتشابكًا في ظل تعدد القوى الإقليمية المتداخلة في المشهد السوداني.
ويحذر الخبراء من أن نشر معلومات غير دقيقة عن تدخلات عسكرية خارجية قد يربك المشهد السياسي والأمني ويزيد من الانقسامات، داعين إلى الاعتماد على المصادر الرسمية والتحليلات المهنية بدلاً من الانسياق وراء التهويل الإعلامي.
وفي ظل هذا الجدل، تبقى الحقيقة المؤكدة أن مصر نفت رسميًا أي تورط عسكري في السودان، فيما يواصل الإعلام الإقليمي الترويج لروايات متضاربة حول هوية منفذي الغارات الجوية، ما يعكس حجم التشويش المعلوماتي الذي يصاحب الأزمة السودانية المعقدة.
ويبقى – في نهاية المطاف – أن كشف الحقيقة بمهنية ومسؤولية هو السبيل الوحيد لتفكيك الأوهام الإعلامية وإعادة بناء الثقة بين الشعوب والدول، بما يخدم السلام والاستقرار في السودان والمنطقة بأسرها.