أخبار السوداناخبارمقالات

بين الخرطوم والجبهات… ماذا تقول معايدة العيد عن أولويات المرحلة؟

 

بقلم أ: علي ميرغني

منذ اندلاع الحرب، اعتاد السودانيون رؤية قيادات الجيش وهي تتنقل بين المواقع العسكرية ومناطق العمليات، وتشارك الجنود لحظات الانتصار والصمود في المدن المحررة والجبهات المتقدمة. وكانت تلك المشاهد تحمل دائماً رسائل معنوية قوية للمقاتلين وللرأي العام، مفادها أن القيادة تقف جنباً إلى جنب مع جنودها في الميدان.

 

إعلان

لكن خلال عيد الأضحى هذا العام، لفت انتباهي أن المعايدات والظهور العلني لقيادة الجيش وهيئة الأركان تركزت داخل العاصمة الخرطوم، بينما غابت – على الأقل إعلامياً – مشاهد زيارة القوات المرابطة في المتحركات الأمامية أو المدن القريبة من خطوط التماس التي ما زالت تشهد عمليات عسكرية أو تنتظر التحرير.

 

هذا الأمر يطرح تساؤلات مشروعة حول الرسائل التي أرادت القيادة إيصالها في هذه المرحلة.

فمن جانب، قد يرى البعض أن اختيار الخرطوم يعكس رغبة القيادة في ترسيخ صورة عودة الدولة إلى العاصمة وإبراز الاستقرار النسبي الذي تحقق فيها بعد سنوات من المعارك. وقد تكون هناك أيضاً اعتبارات أمنية تجعل تحركات كبار القادة نحو الخطوط الأمامية أكثر تعقيداً في ظل تطور قدرات الاستهداف بالطائرات المسيّرة والوسائل الحديثة.

 

لكن من جانب آخر، لا يمكن تجاهل البعد المعنوي لهذه الزيارات بالنسبة للمقاتلين الذين ما زالوا يقضون أيامهم في الخنادق والمواقع المتقدمة. فالجندي الذي يواجه المخاطر يومياً يحتاج إلى أن يشعر بأن تضحياته حاضرة في وجدان القيادة كما هي حاضرة في وجدان أسرته وشعبه.

لقد كانت زيارة الجبهات في الأعياد خلال المراحل الأولى من الحرب تحمل رسائل واضحة بأن المعركة ما زالت أولوية وطنية، وأن تحرير ما تبقى من الأراضي والمدن هدف قائم لا يتغير. أما اليوم، فإن غياب هذه الرمزية الميدانية يفتح الباب أمام قراءات مختلفة، بعضها يربط الأمر بتغير الأولويات، وبعضها يراه مؤشراً على انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة تركز على تثبيت المكاسب وإدارة المناطق المستعادة أكثر من التركيز على التقدم العسكري السريع.

 

 

لا أزعم أن هذه الملاحظة تعني وجود هدنة غير معلنة أو تراجعاً في الاهتمام بالجبهات، فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة ومعطيات أكبر. لكنني أعتقد أن التواصل المباشر مع المقاتلين، خصوصاً في المناسبات الدينية والوطنية، يظل واحداً من أهم أدوات رفع الروح المعنوية وتعزيز الثقة بين القيادة والقوات على الأرض.

 

 

وفي النهاية، تبقى الرسالة التي ينتظرها كثير من السودانيين بسيطة وواضحة: أن تضحيات الجنود في الجبهات المتقدمة ما زالت في قلب الاهتمام، وأن ما تبقى من معركة السودان لا يقل أهمية عما تم إنجازه حتى الآن.

والله من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى