فقد الوسط الفني والثقافي السوداني، صباح اليوم الاثنين، أحد أبرز قامات الغناء السوداني، الفنان الكبير مجذوب أونسة، الذي وافته المنية إثر حادث مروري أليم وقع على طريق “التحدي” بمنطقة “بئر الباشا”، شمال مدينة شندي بولاية نهر النيل، لتنتهي بذلك مسيرة فنية حافلة امتدت لنحو خمسة عقود، بصوت كان علامة فارقة في تاريخ الأغنية السودانية.
وفقاً للمعلومات الأولية الواردة من موقع الحادث، كان الفنان الراحل في طريقه برفقة أسرته لأداء واجب العزاء في وفاة والد زوجة شقيقه، وعند توقفه في منطقة “بئر الباشا”، ترجل من سيارته لشراء بعض الاحتياجات من بقالة قريبة. وأثناء محاولته عبور الطريق السريع، صدمته سيارة مسرعة كانت قادمة بسرعة عالية، ما أدى إلى وفاته في الحال متأثراً بإصاباته البليغة.
تم نقل جثمان الفنان الراحل إلى مشرحة مستشفى شندي التعليمي، حيث حضر العشرات من أهالي المدينة ومحبيه، قبل أن يتم نقل الجثمان إلى منطقة “الحتانة” بأم درمان، وذلك لتشييع الجنازة ودفنه في موطن أسرته وأبناء جلدته.
تصدر خبر الوفاة مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الإذاعية، ونعاه كبار نجوم الطرب السوداني والفنانين والإعلاميين، وفي مقدمتهم الأستاذ وجدي ميرغني، رئيس مجلس إدارة مجموعة “محجوب أولاد” والمدير العام لقناة “سودانية 24″، الذي قال في بيان نعي: “ببالغ الحزن والأسى، ننعى إلى الساحة الفنية والثقافية، الفنان القدير مجذوب أونسة، صاحب الصوت الفريد والعطاء الثري، الذي أسهم في إثراء الأغنية السودانية لعقود طويلة”.
من جهته، روى الشاعر مختار دفع الله، تفاصيل مؤثرة عن آخر أيام الراحل، وقال: “آخر لقاء جمعني بالراحل كان في سهرة تلفزيونية قبل يومين فقط، وكان في قمة عطائه الفني وروحه المعنوية المرتفعة. وآخر تواصل هاتفي بيننا كان في الحادية عشرة من ليلة أمس، حيث كان في طريقه لأداء واجب العزاء، وكانت تلك كلماته الأخيرة لي”.
يُذكر أن الفنان مجذوب أونسة وُلد في قرية “نقزو” بمنطقة بربر – الولاية الشمالية، عام 1950. نشأ في أسرة ريفية بسيطة تعمل بالزراعة، لكنه احترف مهنة والده وهي “الصياغة” (صناعة وتشكيل الذهب)، واشتهر في أوساط المهنة بأنه من أمهر صائغي الذهب في منطقته، حيث تمتع بذوق رفيع وقدرة فائقة على الإقناع وحسن التعامل مع الزبائن.
إلا أن حبه للفن والفطرة التي أوتيت له، كانت أقوى من أي مهنة، فترك الصياغة نهائياً واتجه إلى الغناء والتلحين، ليكون واحداً من أهم رواد المدرسة الكلاسيكية في الغناء السوداني.
برز نجم مجذوب أونسة في منتصف السبعينيات والثمانينيات، وتميز بصوته القوي والقادر على التلوين بين المقامات العالية، وأدائه “التطريبي” الذي يمزج بين الأصالة الطربية والحداثة. اشتهر بقدرته الفائقة على أداء الأغاني “الحماسية” وأغاني “الدلوكة” بأسلوب عصري، وصولاً إلى الأغاني العاطفية الرصينة.
كما كان عازفاً متمكناً على آلة العود، وغالباً ما كان يظهر في حفلاته وجلساته الفنية وهو يعزف بنفسه ويطوع العود ليخدم خامات صوته العالية والنادرة.
ترك الفنان الراحل مكتبة غنائية ضخمة، من أبرزها وأشهرها التي تغنى بها الجمهور لعقود
رحم الله الفنان الكبير مجذوب أونسة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.











