واشنطن تحسم موقفها وتضع الدعم السريع بموضع حرج

0 6٬242


في موقف سياسي واضح وحاسم، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها لا تعترف بأي كيانات موازية في السودان، مؤكدة أن تعاملها الرسمي يظل مقتصرًا على الحكومة السودانية المعترف بها دوليًا، في رسالة مباشرة تستهدف ما يُعرف بـ«الحكومة الموازية» التي أعلن عنها تحالف «تأسيس» بقيادة قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وبمشاركة عبدالعزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية – شمال، إلى جانب بعض الحركات المسلحة في دارفور.

وجاء هذا الموقف على لسان مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، في أول تصريح علني من إدارة ترامب يتناول بشكل مباشر مشروع «حكومة السلام» التي أُعلن عنها مؤخرًا، في وقت يشهد فيه السودان تعقيدات سياسية وعسكرية غير مسبوقة.

حكومة واحدة

وأكد بولس أن واشنطن لا تساوي بين الحكومة السودانية الشرعية وأي طرف آخر في النزاع، مشددًا على أن هناك «حكومة سودانية واحدة» معترف بها دوليًا، وأن الولايات المتحدة تتعامل معها بصفتها الممثل الشرعي للدولة السودانية. وأضاف أن أي محاولات لخلق واقع سياسي موازٍ لن تجد اعترافًا أو دعمًا من واشنطن، في إشارة واضحة إلى إسقاط الرهان السياسي لتحالف «تأسيس».

ويحمل هذا التصريح دلالات سياسية مهمة، إذ يعكس انتقال الولايات المتحدة من مرحلة الغموض الحذر إلى إعلان موقف صريح، يقطع الطريق أمام أي مساعٍ لإضفاء شرعية دولية على كيان موازٍ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره امتدادًا للمشروع العسكري لمليشيا الدعم السريع.

توقيت بالغ الحساسية

ويكتسب الموقف الأمريكي أهمية مضاعفة بالنظر إلى توقيته، إذ يأتي في أعقاب إعلان «الحكومة الموازية» بدعم سياسي وإقليمي، وسط محاولات حثيثة لتسويقها كبديل سياسي في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة. ويرى مراقبون أن واشنطن أرادت عبر هذا التصريح توجيه رسالة مزدوجة: الأولى للفاعلين المحليين بأن وحدة التمثيل السياسي خط أحمر، والثانية للأطراف الإقليمية الداعمة للمشروع بأن الرهان عليه لن يحظى بغطاء دولي.

النموذج الليبي… تحذير مبكر

وفي سياق متصل، حذّر مراقبون من أن مشروع الحكومة الموازية يستلهم «النموذج الليبي»، القائم على وجود سلطتين متنازعتين؛ واحدة في الشرق بقيادة خليفة حفتر، وأخرى في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وهو نموذج أثبت فشله في تحقيق الاستقرار، وأدخل ليبيا في حالة طويلة من الانقسام والصراع.

ويشير محللون إلى أن الولايات المتحدة تدرك خطورة تكرار هذا السيناريو في السودان، لما يحمله من تهديد مباشر لوحدة البلاد، واستقرار الإقليم، وأمن البحر الأحمر، فضلًا عن تداعياته الإنسانية والأمنية العابرة للحدود.

دور سعودي فاعل

وفي لفتة ذات دلالة، أكد المستشار الأمريكي أن زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن منحت ملف السودان «دفعة كبيرة»، ما يعكس تنسيقًا متقدمًا بين الرياض وواشنطن بشأن الأزمة السودانية. ويُنظر إلى السعودية باعتبارها لاعبًا محوريًا في مسار الحل السياسي، سواء عبر رعايتها لمنبر جدة أو من خلال تحركاتها الدبلوماسية الإقليمية والدولية.

ويرى متابعون أن هذا التنسيق يعزز فرص إعادة إحياء مسار التفاوض، ويضعف في المقابل أي محاولات لفرض حلول أحادية الجانب أو كسر الشرعية عبر القوة العسكرية.

أفق الهدنة الإنسانية

وكشف بولس عن أن بلاده لمست «تجاوبًا كبيرًا» من طرفي النزاع في السودان بشأن تنفيذ هدنة إنسانية في أقرب فرصة، تمهيدًا لوقف إطلاق نار دائم وإنهاء الحرب. وأوضح أن واشنطن تجري تواصلًا مستمرًا مع جميع الأطراف السودانية، في محاولة لدفعهم نحو حل سلمي يضع حدًا لمعاناة المدنيين.

غير أن هذا التفاؤل الحذر يصطدم بواقع ميداني معقد، حيث لا تزال المعارك مستمرة في عدة جبهات، فيما تتزايد المخاوف من استخدام المسارات السياسية كغطاء لإعادة التموضع العسكري.

إسقاط الرهان السياسي

ويجمع محللون على أن التصريح الأمريكي يمثل ضربة قوية لمشروع الحكومة الموازية، ويضعف قدرتها على كسب اعتراف خارجي أو دعم دولي. كما يعزز من موقع الحكومة السودانية المعترف بها، ويمنحها سندًا سياسيًا في مواجهة محاولات تقويض شرعيتها.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن هذا الموقف قد يدفع أطرافًا داخل تحالف «تأسيس» إلى إعادة حساباتها، خاصة في ظل غياب أي مؤشرات على قبول دولي واسع بالمشروع، وتزايد القلق الإقليمي من تداعياته.

رسائل إلى الداخل والخارج

في المحصلة، لا يمكن فصل الموقف الأمريكي عن سياق أوسع يعكس رغبة دولية في منع تفكك الدولة السودانية، والحيلولة دون انزلاقها إلى سيناريو الانقسام المزمن. كما يحمل رسالة واضحة إلى القوى المسلحة بأن الطريق إلى الشرعية لا يمر عبر فرض الأمر الواقع بالقوة، بل عبر مسار سياسي شامل يحفظ وحدة البلاد وسيادتها.

وبينما تبقى فرص السلام رهينة بمدى جدية الأطراف المتحاربة، فإن حسم واشنطن موقفها من «الحكومة الموازية» يشكل نقطة تحول سياسية مهمة، قد تعيد ترتيب موازين الرهان في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا