كردفان على صفيح ساخن… تحرّكات عسكرية واسعة تمهّد لمرحلة حاسمة في الحرب في السودان ..وخبير يوضح!
شهدت مدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان حدثاً سياسياً وعسكرياً لافتاً عندما أعلن عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للجيش الفريق أول ركن ياسر العطا، أن مركز الدولة العسكري سينتقل إلى كردفان في خطوة تعكس تحوّلاً واضحاً في تموضع المؤسسة العسكرية وطريقة إدارتها للحرب الدائرة منذ عامين ونصف.
وجاء حديث العطا أمام تجمع كبير بمدينة الأبيض ليؤكد أن الجيش يستعد لإطلاق متحركات عسكرية خلال أيام قليلة، تمتد – بحسب قوله – إلى كل المحاور لتحرير “كل شبر من البلاد”، مشيراً إلى أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها قد أعدّت عدتها لعمليات واسعة تهدف إلى إعادة السيطرة على المناطق التي خرجت عن سلطة الدولة.
وتضمّن خطاب العطا تحذيراً صريحاً لقوات الدعم السريع، حيث قال إن عناصر المليشيا ستفرّ قريباً نحو دول الجوار عبر المعابر الدولية، في إشارة إلى ما يعتبره الجيش تراجعاً في قدرة الدعم السريع على تثبيت مواقعها أو الاحتفاظ بخطوط إمداد مستقرة.
ووفقاً للعطا، فإن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة عن كل ما سبق، إذ ستشهد تصعيداً واسعاً من الجيش عبر سلسلة من العمليات التي تُحضَّر لها منذ أسابيع، وهو ما يعكس إصرار القيادة العسكرية على جعل كردفان مركز انطلاق لمرحلة جديدة من الصراع.
وجاءت تصريحات العطا بالتزامن مع تقييمات عسكرية أخرى، أبرزها ما أورده الخبير العسكري محمد مصطفى، الذي قال إن قوات الدعم السريع لم تنسحب من مواقعها بطريقة منظمة، بل إنها – على حد تعبيره – تعيش حالة من الارتباك وتحاول عبر وسائل الإعلام تقديم صورة غير واقعية عن الوضع الميداني.
وأكد الخبير أن انتشار أخبار الهدنة يهدف – كما يرى – إلى تخفيف الضغط على قوات الدعم السريع التي تتعرض لضربات مستمرة، مشيراً إلى أن الأيام القادمة ستكون أكثر صعوبة على المتمردين مع الحشود الكبيرة للجيش في محاور متعددة.
وأضاف أن تحركات الجيش نحو مناطق الخوي وأم صميمة، في حال تأمينها بصورة كاملة، ستجعل قوات الدعم السريع في بارا وأم سيالة تحت ضغط شديد قد يؤدي إلى انسحابها دون مواجهة كبيرة، ما يعني تقدماً سريعاً للجيش في شمال وغرب كردفان.
وتكتسب هذه المناطق أهمية كبيرة في مسار العمليات، لأنها تشكّل صلة الوصل بين شمال كردفان والممرات المؤدية إلى دارفور.
ولهذا، فإن خسارتها بالنسبة للدعم السريع تعني – وفقاً للتصريحات التي تلت خطاب العطا – بداية انهيار في مناطق أخرى تعتمد على هذه المسارات كخطوط دعم وتحرك. ويشير هذا الربط بين المعطيات إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تغييراً في مشهد السيطرة داخل كردفان، مع الضغط المتزايد الذي تفرضه القوات الحكومية على مواقع الدعم السريع.
وترافق هذا المشهد مع تقارير متداولة من داخل الإقليم تُظهر صعوبة الأوضاع بالنسبة لقوات الدعم السريع، لا سيما في المحور الصحراوي الممتد بين شمال كردفان وشمال دارفور، حيث تواجه هذه القوات تحديات في الحصول على إمدادات بشرية ولوجستية مستقرة.
وتؤكد المصادر العسكرية أن أي محاولة لتحريك قوات من كردفان لدعم المحور الصحراوي ستفتح فراغاً في الإقليم نفسه، وهو ما يسمح للجيش باستعادة مواقع حيوية، خاصة في شمال وغرب كردفان، حيث تظل الطرق الرئيسية والمواقع الحساسة عرضة للتقدم العسكري في حال انسحبت منها قوات الدعم السريع.
وتشير المعطيات التي تزامنت مع تصريحات العطا إلى أن المشهد في كردفان لم يعد كما كان قبل أسابيع، وأن الاضطراب داخل قوات الدعم السريع بات واضحاً من خلال تراجع حضورها وقدرتها على المناورة، خصوصاً مع التقدم المستمر للجيش على خطوط تعتبرها المليشيا أساسية لبقائها في منطقة نفوذها داخل شمال دارفور.
ولهذا يرى مراقبون أن الحديث عن استعادة مدن مثل مليط أو التقدم نحو الفاشر لم يعد مجرد توقع سياسي، وإنما بات مرتبطاً بتحولات ميدانية تتسارع يومياً وتقلّص خيارات الدعم السريع على الأرض.
ووفقاً لهذه الصورة، يصبح الربط بين تصريحات العطا وبين التطورات في دارفور جزءاً من مشهد واحد تتقاطع فيه التصريحات الرسمية مع الوقائع الميدانية.
فبينما يتحدث العطا عن نقل مركز الدولة العسكري إلى كردفان وعن عمليات “الاكتساح الشامل”، تتناقل البيانات العسكرية معلومات عن تضييق الخناق على قوات الدعم السريع في محاور شمال كردفان، وهو ما يجعل مسألة تحرك الجيش غرباً باتجاه دارفور جزءاً من خطة أوسع يجري تنفيذها تدريجياً.
وفي ظل هذه التطورات، برز تصريح مهم آخر من داخل قوى الكفاح المسلح، حيث قال الفريق جمعة حقار، قائد القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، إن خروج القوات المسلحة والقوة المشتركة من مدينة الفاشر “لا يعني نهاية المعركة”.
وقال حقار في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك إن القوات المنسحبة “خسرت جولة من الحرب، لكنها كسبت الإيمان الذي ستعود به إلى الفاشر”، مضيفاً أن ما حدث في المدينة كان نتيجة “غدر وظلم” بحق أهلها، وأن الفاشر – بحسب قوله – ستكون شاهدة على عودة القوات يوماً ما.
ورغم اختلاف السياقات والمواقع، فإن تصريحات حقار جاءت نتيجة لتطورات مشابهة في الميدان، حيث أكد الرجل أن ما تعرضت له المدينة من أحداث ترك أثراً كبيراً على أهلها، مشيراً إلى أن ما يصفه بالانسحاب التكتيكي لا يمثل النهاية، بل خطوة لإعادة التنظيم والاستعداد للعودة.
وأرسل حقار رسالة تقدير للقوات التي شاركت في الدفاع عن المدينة، مؤكداً أنها “وقفت حتى اللحظة الأخيرة” وأن ما جرى لن يكون نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة.
هذا الربط بين المعطيات يقدم صورة أوضح للمشهد العام، إذ إن كليهما يؤكد أن العمليات العسكرية لم تتوقف، وأن التحركات المقبلة ستكون جزءاً من خطة طويلة تهدف إلى إعادة ترتيب السيطرة في الإقليمين
. ويبدو أن تصريحات العطا عن قرب انطلاق المتحركات وتأكيد حقار على أن ما جرى في الفاشر ليس سوى “جولة من الحرب” يلتقيان في إطار واحد، وهو أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة توزيع للقوات من أجل الدفع نحو مناطق اعتبرها الجيش وحلفاؤه ذات أهمية استراتيجية.
ورغم غياب التفاصيل الدقيقة حول الخطط العسكرية، فإن خطاب العطا يشير بوضوح إلى أن انتقال مركز الدولة العسكري إلى كردفان ليس مجرد خطوة رمزية، بل يعكس تحولات يجري التحضير لها منذ فترة.
فالأبيض، بموقعها الجغرافي في وسط البلاد، تشكّل نقطة اتصال بين الشمال والغرب والوسط، وهي قادرة على استيعاب التحركات الواسعة للقوات في حال انطلقت العمليات في محاور مختلفة، بينما تشكل كذلك منطقة أكثر استقراراً مقارنة بالمناطق التي شهدت قتالاً متواصلاً خلال الفترة الماضية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الجيش قد دفع بتعزيزات جديدة إلى مناطق متعددة داخل شمال وغرب كردفان، وأن هذه التحركات مرتبطة بالخطة التي تحدث عنها العطا لإطلاق عمليات واسعة قد تمتد حتى الحدود الدولية.
ويعتبر هذا النوع من التصريحات مؤشراً على أن الجيش يرى أن الظروف الميدانية باتت مواتية لفتح جبهات أكبر، خصوصاً بعد شهور من العمليات التي ركّزت على استنزاف قدرات الدعم السريع في عدة محاور.
وتلقى تصريحات العطا صدى آخر عند ربطها بما كشفه الخبير العسكري محمد مصطفى حول ما وصفه بالأزمة الداخلية لقوات الدعم السريع، حيث قال إن هذه القوات باتت في وضع صعب بعد فقدانها عدداً من نقاط الدعم اللوجستي، إلى جانب تعرضها لضغط متواصل في خطوط الإمداد.
ويضيف الخبير أن الدعم السريع يحاول اللجوء إلى خطاب الهدنة في وقت تتعرض فيه لأوضاع أصعب من أن تستمر فيها دون إعادة تموضع، وهو ما يجعل أي حديث عن وقف إطلاق نار – من وجهة نظره – محاولة للالتقاط الأنفاس وليس استعداداً لحل سياسي.
ويبدو أن الربط بين كل هذه المعطيات يمكنه أن يقدّم صورة شاملة لما تمر به البلاد في هذه المرحلة، حيث تتزايد المؤشرات على أن الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر حسماً، سواء في كردفان أو في دارفور.
ومع إعلان العطا عن نقل مركز الدولة العسكري إلى كردفان، وتصريحات قادة الكفاح المسلح عن العودة المرتقبة إلى الفاشر، وما يصدر عن الخبراء العسكريين من تقييمات حول الوضع الميداني، تتضح ملامح مرحلة جديدة قد تشهد تغيراً في مسار السيطرة واتجاه العمليات.
ووفق ما يتضح من مجمل هذه التصريحات، فإن الساحة السودانية تدخل الآن منعطفاً جديداً يرتكز على إعادة ترتيب موازين القوى في المناطق الحيوية، مع استمرار تمسك الجيش بخياراته العسكرية، مقابل محاولات قوات الدعم السريع الحفاظ على مواقعها في ظل الضغوط المستمرة.
وبينما تتجه الأنظار إلى كردفان بصفتها مركز الأحداث الجديد، تبرز الفاشر ومحيطها أيضاً كجزء من المشهد الذي تحاول الأطراف إعادة رسمه وفق معطيات الميدان وخطوط الإمداد.
وبهذا المشهد المتداخل بين التصريحات والمواقف، سيبقى الإقليم في حالة ترقب لما ستسفر عنه التحركات المتوقع أن تتسارع خلال الأيام القادمة، مع بقاء السؤال الأكبر حول قدرة الأطراف على الحفاظ على مواقعها في ظل تغيرات تتسارع وتفرض واقعاً جديداً قد تختلف ملامحه كلياً عمّا كان عليه الوضع قبل أسابيع قليلة.