السعودية تستأنف منح تأشيرات العمل للسودانيين عبر سفارتها في بورتسودان
في تطور دبلوماسي واقتصادي لافت، أعلنت سفارة جمهورية السودان في العاصمة السعودية الرياض عن استئناف منح تأشيرات العمل للمواطنين السودانيين عبر السفارة السعودية في بورتسودان، بعد فترة من التوقف الذي امتد لعدة سنوات بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها السودان
. وأكدت السفارة في بيان رسمي صدر بتاريخ 24 نوفمبر 2025م أن السلطات السعودية أعادت رسمياً فتح النظام المتعلق بمنح التأشيرات، على أن يتم التعامل مع الطلبات الجديدة وفق الضوابط والشروط والإجراءات المعمول بها داخل المملكة.
هذا الإعلان، الذي انتظره السودانيون داخل الوطن وخارجه، جاء ليُعيد الأمل لشرائح واسعة من الشباب، ولآلاف الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تحويلات العاملين في المملكة العربية السعودية، والتي تُعد واحدة من أكبر الوجهات التاريخية للعمالة السودانية منذ سبعينيات القرن الماضي.
عودة تدريجية بعد توقف فرضته الظروف
بحسب مصادر دبلوماسية تحدثت إلى مواقع إعلام عربية، فإن توقف منح تأشيرات العمل خلال الفترة الماضية كان مرتبطاً بتعقيدات الحرب داخل السودان، وما نتج عنها من صعوبات في التحقق من الوثائق، والتأثير على حركة التأشيرات والمؤسسات ذات الصلة. ومع ذلك، ظلت السلطات السعودية طوال العامين الماضيين تنسق بشكل محدود مع بعض الجهات، خصوصاً في الحالات الإنسانية ولمّ الشمل.
لكن الإعلان الجديد يُعد أوسع وأشمل، إذ يشمل إعادة فتح مسار تأشيرات العمل النظامية، ويتيح للشركات السعودية استقدام العمالة السودانية مجدداً عبر القنوات الرسمية وبإشراف السفارة في الرياض، وهو ما يعني عودة الدورة الطبيعية لتدفق العمالة بعد أشهر من الجمود.
السفارة تشكر السعودية وتدعو المواطنين للالتزام بالإجراءات
وجاء في البيان الرسمي للسفارة السودانية أن السلطات السعودية أكدت رسمياً استئناف منح التأشيرات عبر سفارة الرياض، مؤكدة أن الخطوة تشمل الراغبين في السفر الذين استوفوا المستندات المطلوبة. كما عبّرت السفارة عن شكرها وتقديرها لحكومة المملكة العربية السعودية، قيادة وشعباً، نظير تعاونها المستمر ودعمها للمواطنين السودانيين.
وتضمن البيان إشارة واضحة إلى أن على المتقدمين الالتزام بإحضار كافة الوثائق اللازمة التي تحددها الجهات السعودية، بما في ذلك:
- الجوازات السارية
- شهادات الفحص الطبي
- عقود العمل المعتمدة
- المستندات الثبوتية التي تُثبت خلو السجل الجنائي
- الالتزام بالإجراءات الإلكترونية لمنصة “إنجاز” و”القوى العاملة” السعودية
هذه التنبيهات تأتي في ظل رغبة السفارة في الحد من أي عمليات خداع أو استغلال، وهي ظاهرة شهدتها بعض الأسواق الإقليمية خلال السنوات الماضية، خصوصاً في فترات التوتر السياسي.

أهمية القرار بالنسبة للاقتصاد السوداني
لا يخفى على أي مراقب أن السودان يعيش حالياً واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث تراجعت حركة الإنتاج، وتوقفت معظم المؤسسات الحكومية والخاصة عن العمل، وانخفضت فرص العمل داخلياً إلى مستويات غير مسبوقة. وفي ظل هذا الواقع، تعتبر تحويلات السودانيين العاملين بالخارج — وعلى رأسهم العاملون بالمملكة — مصدر دعم حقيقي للأسر، بل وللاقتصاد الوطني ككل.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن تحويلات السودانيين من السعودية فقط كانت قبل الحرب تتراوح بين 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً، وهي أرقام ضخمة مقارنة بحجم الناتج المحلي في السودان. ومع توقف عمليات الاستقدام خلال العامين الماضيين، انخفض عدد العمالة الجديدة، وهو ما أثر على معدل التدفقات المالية التي تعتمد عليها مئات آلاف الأسر.
ومن المتوقع أن يسهم استئناف تأشيرات العمل في رفع حجم التحويلات من جديد، خاصة في ظل حاجة السوق السعودي لعمالة ماهرة وغير ماهرة في مجالات متعددة، تشمل:
- البناء والتشييد
- الأعمال الحرفية
- الزراعة
- الأمن والحراسة
- النقل والخدمات اللوجستية
- القطاع الصحي
- تقنية المعلومات
- الخدمات المنزلية
كما يشير محللون اقتصاديون إلى أن عودة التأشيرات قد تخفّف الضغط على سوق العمل السوداني، وتساعد على تقليل معدلات البطالة بين الشباب، والتي ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الماضية نتيجة توقف الأنشطة التجارية والحكومية.
يمثل السفر إلى المملكة العربية السعودية بالنسبة للسودانيين أكثر من مجرد فرصة عمل؛ فهو يعتبر منفذاً للعيش والاستقرار ومصدراً يتيح للكثير من العائلات التعليم والعلاج والسكن والاحتياجات الأساسية. ولذلك جاء هذا الإعلان ليشكّل انفراجاً كبيراً لعدد هائل من الأسر التي كانت تنتظر عودة حركة الاستقدام.
وبحسب إفادات مواطنين في الخرطوم والجزيرة وولايات شرق السودان، فإن الخطوة مثلت “بصيص أمل” في وقت يعيش فيه الناس ضغوطاً اقتصادية ومعيشية شديدة. كما عبّر الكثيرون عن تفاؤلهم بإمكانية تخفيف التوتر داخل الأسر التي كانت تعتمد بشكل مباشر على تحويلات الأبناء أو الآباء العاملين في السعودية قبل أن تتوقف فرص السفر لفترة.
وفي المقابل، يرى خبراء اجتماعيون أن عودة التأشيرات ستعيد التوازن إلى سوق العمل الإقليمي، وستمنح فئات الشباب فرصة للبحث عن مستقبل أفضل، خاصة في ظل الانهيار المتكرر لسوق الوظائف داخل السودان.
ماذا يعني هذا القرار للعمالة السودانية مقارنة ببقية الجنسيات؟
السعودية تُعد ثالث أكبر مستقطب للعمالة الأجنبية في العالم، وتعتمد على العمالة القادمة من عدة دول مثل بنغلاديش والهند والفلبين ومصر والسودان. ومع أن السودانيين ظلوا تاريخياً ضمن الجنسيات المطلوبة بسبب مهاراتهم وانضباطهم، فإن فترة الحرب الأخيرة أثرت على وجودهم في سوق العمل. لكن استئناف التأشيرات يؤكد أن الجانب السعودي ما يزال ينظر إلى العمالة السودانية بوصفها عنصراً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه في قطاعات واسعة.
كما يشير مختصون إلى أن استعادة حركة التأشيرات ستعيد التوازن للسوق السوداني مقارنة بالعمالة من دول أخرى كانت تحظى بالأولوية خلال فترة التوقف.
تحديات ما بعد القرار
على الرغم من أن القرار يمثل خطوة إيجابية للغاية، إلا أن هناك عدة تحديات يجب التعامل معها، أبرزها:
- تأمين الوثائق الثبوتية داخل السودان في ظل الأوضاع الحالية
- معالجة عمليات الاحتيال التي تستهدف الباحثين عن العمل
- ضمان انتقال آمن للمواطنين من السودان إلى المملكة
- توفير مراكز فحص طبي موثوقة
- ضبط السماسرة وشبكات التوظيف غير الشرعية
وتعمل السفارة السودانية حالياً على فتح نوافذ للتواصل المباشر مع المواطنين لتقديم الإرشادات الصحيحة، إلى جانب توجيههم للاعتماد على القنوات الرسمية فقط.
يمثل استئناف تأشيرات العمل للسودانيين في السعودية خطوة استراتيجية مهمة جاءت في توقيت حساس، حيث يواجه السودان ظروفاً اقتصادية وأمنية معقدة. القرار ليس مجرد إعلان إداري، بل يُعد نافذة أمل لأعداد كبيرة من الأسر والشباب الباحثين عن فرصة حياة جديدة.
كما يعزز القرار العلاقات التاريخية بين السودان والمملكة العربية السعودية، ويعيد للعمالة السودانية حضورها في واحدة من أكبر أسواق العمل في المنطقة، وهو ما سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً ملموساً خلال الأشهر القادمة.