أسلحة ألمانية متطورة بحوزة الدعم السريع.. شبكة تهريب عابرة للحدود تكشف مسارات مظلمة

0 531


تتزايد التساؤلات في المشهد السوداني حول كيفية ظهور أسلحة ألمانية متطورة في يد مليشيا الدعم السريع، في وقت تؤكد فيه الحكومة الألمانية وشركات إنتاج السلاح التزامها الصارم بقوانين التصدير الأوروبية، وتنفي أن تكون قد أبرمت أي صفقة مع السودان خلال السنوات الماضية. ورغم هذا الإنكار، وثّقت مقاطع وصور متداولة انتشار بنادق متقدمة من طراز G36C وغيرها من الأسلحة التي تنتجها شركة Heckler & Koch، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول مسارات دخول السلاح إلى قلب النزاع السوداني، ومدى تورط شبكات وسطاء وتجار سلاح دوليين في تلك العملية.


بدأت القضية حين ظهرت بنادق G36C في تسجيلات لمقاتلين من الدعم السريع، وهي أسلحة عادة لا تصل إلا إلى جيوش نظامية تخضع للرقابة، ما دفع خبراء الأمن والدفاع إلى البحث في الخلفية الكاملة لوصول هذه النوعية من البنادق إلى السودان. ومع اتساع البحث، اتضح أن الأسلحة الألمانية ليست وحدها التي ظهرت؛ إذ وثّقت تقارير مختلفة وجود بندقية ZPT 556 التركية الصنع مع عناصر من المليشيا، إلى جانب طائرات مسيرة من طراز CH-95 الصينية. ورغم نفي أنقرة وبكين أي علاقة لهما بتسليح الدعم السريع، إلا أن استمرار ظهور هذه الأسلحة يفتح الباب أمام فرضيات تتعلق بوجود شبكة تهريب متعددة الأطراف تعتمد على إعادة التصدير والمرور عبر دول وسيطة.


وتتفق مراكز بحثية أوروبية مثل GIGA ومؤسسة Rosa Luxemburg على أن الدعم السريع لا يعتمد على خط واحد في الحصول على السلاح، بل يستند إلى شبكة إقليمية واسعة تتداخل فيها دول خليجية، وسماسرة سلاح، ومسارات تهريب تمتد من ليبيا وتشاد وصولاً إلى قلب السودان. وتظهر الإمارات في هذه التقارير باعتبارها محطة محورية تستقبل عبرها شحنات أسلحة خفيفة ومتوسطة قبل انتقالها بطرق غير رسمية إلى السودان، مستفيدة من شبكات خاصة وشركات يُشتبه في تعاملها مع أطراف مرتبطة بالمليشيا. أما ليبيا، بما تحويه من أسواق سلاح مفتوحة منذ سقوط القذافي، فتُعد واحدة من أهم نقاط العبور للسلاح الذي يجري تهريبه عبر الصحراء إلى دارفور، ثم إلى الخرطوم ومناطق أخرى.


ولا تستبعد التحليلات أن جزءاً من الأسلحة الألمانية الحديثة تم تمريره عبر نظام إعادة التصدير، حيث تُباع الأسلحة لدول يُفترض أنها المستخدم النهائي، قبل أن يجري تسريبها لاحقاً إلى جهة ثالثة خارج منظومة الرقابة، وهو مسار يعتمد عليه الكثير من الفاعلين في الحروب الإقليمية. ومع ذلك، فإن الخبراء يلفتون إلى أن هذا لا يفسر وحده كل ما ظهر من أسلحة متقدمة؛ فوجود مخزونات قديمة من أسلحة ألمانية مثل G3 منذ السبعينيات داخل السودان يظل جزءاً من الصورة، لكنه لا يشمل النماذج الجديدة التي ظهرت في المعارك الأخيرة.


تعكس القضية ثغرات خطيرة في نظام الرقابة الدولي على حركة السلاح. فمن ضعف متابعة “شهادة المستخدم النهائي”، إلى ازدهار السوق السوداء في ليبيا ومنطقة الساحل، مروراً بقدرة الدعم السريع المالية على الشراء عبر شبكات الذهب، وصولاً إلى نشاط وسطاء يعملون خارج رقابة الحكومات—تتشكل شبكة واسعة تجعل من ضبط مسارات السلاح مهمة شبه مستحيلة. وتؤكد منظمات مثل العفو الدولية أن هذه الفوضى في انتقال الأسلحة تساهم في استمرار الحرب وتفاقم الانتهاكات بحق المدنيين.


ورغم تمسك ألمانيا بموقفها الرافض لأي علاقة لها بالأسلحة التي ظهرت في السودان، إلا أن الوقائع الميدانية تعيد طرح أسئلة صعبة حول فعالية القيود الأوروبية على صادرات السلاح، ومدى مراقبة حركة الأسلحة بعد خروجها من بلد المنشأ، ومسؤولية الدول التي تشكّل محطات عبور في هذا المسار. وحتى الآن لا توجد إجابة قطعية، لكن الصورة العامة تشير إلى تشابك مصالح دول، وشبكات تهريب، وتجار سلاح دوليين، يتقاطعون جميعًا في سوق حرب تُعد من الأكثر دموية في المنطقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا