ركود حاد يضرب أسواق الماشية في دارفور
تشهد أسواق الماشية في دارفور ركودًا غير مسبوق في الحركة التجارية، خاصة في ولاية شرق دارفور التي تُعد من أكبر ولايات الإقليم إنتاجًا للماشية. ويعزو مربّو وتجار الماشية هذا الركود إلى توقف الصادر وشح السيولة النقدية، مما أدى إلى انهيار شبه كامل في عمليات البيع والشراء، في وقت تُعد فيه الثروة الحيوانية أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي في الإقليم.
تأثير الحرب وتوقف الصادر على تجارة الماشية
يقول أحد ملاك الماشية بشرق دارفور إن “أسعار الماشية أصبحت غير مجزية مقارنة بالسوق الحالي”، موضحًا أن غياب المشترين بعد توقف التصدير فاقم من الأزمة الاقتصادية في الإقليم. وأضاف أن الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين تسببت في توقف كامل لحركة الصادر، ما أثّر بصورة مباشرة على قطاع الثروة الحيوانية، الذي يُعد مصدر الدخل الرئيسي للآلاف من الأسر.
وأوضح التاجر أن تجارة الماشية في دارفور كانت تعتمد بصورة أساسية على الصادر إلى الدول العربية والإفريقية عبر الموانئ الشرقية، إلا أن إغلاق طرق النقل وتراجع الطلب الخارجي جعلا السوق المحلية مشبعة بالماشية دون مشترين. ونتيجة لذلك، انخفضت أسعار الأبقار والعجول بشكل كبير، ما أضعف جدوى التربية بالنسبة للمربين.
الأسعار في أسواق الماشية
ووفقًا للأسعار السائدة في أسواق عسلاية وأبو مطارق بولاية شرق دارفور، فإن أسعار العجول تتراوح بين 300 إلى 500 ألف جنيه سوداني، بينما تُباع الأبقار الجزارية بسعر يتراوح بين 600 إلى 700 ألف جنيه. أما الثيران الكبيرة فيصل سعرها إلى نحو 900 ألف جنيه، في حين تباع الأبقار الحلوب بأسعار تتراوح بين 900 ألف إلى 1.3 مليون جنيه سوداني.
ويشير التجار إلى أن هذه الأسعار، رغم انخفاضها مقارنة بالأعوام الماضية، لم تعد مجزية بسبب ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية، إضافة إلى انعدام السيولة الذي جعل التعاملات النقدية محدودة للغاية.
أزمة السيولة تدفع إلى “كسر” البضائع
ومع تفاقم أزمة السيولة في الأسواق، لجأ تجار الماشية في دارفور إلى حلول بديلة لتوفير النقد، من بينها شراء السلع الاستهلاكية مثل الدقيق والسكر عبر تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم، ثم بيعها نقدًا بأسعار أقل من قيمتها الأصلية، وهي عملية تُعرف محليًا باسم “الكسر”.
وقال أحد التجار إن أصحاب الماشية يرفضون التعامل عبر التطبيقات البنكية، مفضلين البيع النقدي فقط، مما اضطر التجار إلى الدخول في دوامة من عمليات “الكسر” لتأمين الأموال اللازمة لمواصلة نشاطهم التجاري.
المحاصيل تواجه الأزمة ذاتها
الأزمة لم تقتصر على أسواق الماشية فحسب، إذ امتدت إلى أسواق المحاصيل. وأوضح آدم النور، أحد تجار الفول السوداني بمدينة الضعين، أن بعض التجار باتوا يشترون المحاصيل بنفس طريقة “الكسر” لتوفير السيولة، في ظل رفض كثير من المزارعين التعامل عبر التحويلات البنكية.
وأشار النور إلى أن مجموعة من تجار الفول اتجهوا مؤخرًا إلى عصر الفول لاستخراج الزيت كبديل لتصدير المحصول، الذي توقف بسبب الظروف الأمنية والإدارية. غير أن هذا الحل المؤقت يواجه عقبات عديدة، أبرزها نقص الجركانات البلاستيكية المستخدمة لتعبئة الزيت، والتي وصل سعر الواحدة منها في سوق أبو مطارق إلى 25 ألف جنيه سوداني.
خسائر فادحة وتحديات مستمرة
ويؤكد الخبراء المحليون أن الركود الحالي في أسواق الماشية في دارفور يهدد الأمن المعيشي لآلاف الأسر التي تعتمد على تربية الماشية كمصدر رئيسي للدخل. فغياب المشترين وتراجع الأسعار يجعلان المربين غير قادرين على تغطية تكاليف الإنتاج، في حين يؤدي توقف الصادر إلى تراكم أعداد ضخمة من الحيوانات دون تصريف.
كما أن استمرار أزمة السيولة يعطل حركة التداول التجاري ويحدّ من نشاط الأسواق، حيث أصبحت المعاملات البنكية شبه مجمدة بسبب ضعف شبكة الاتصالات وصعوبة الوصول إلى الخدمات المصرفية في المناطق الريفية.
مستقبل غامض لقطاع الماشية في دارفور
ويرى مراقبون أن إنعاش تجارة الماشية في دارفور يتطلب إجراءات عاجلة من الحكومة، تشمل إعادة فتح طرق الصادر، وتوفير السيولة عبر المصارف، وإعادة الثقة في التعاملات البنكية. كما يدعون إلى إطلاق مبادرات لدعم المربين بتوفير الأعلاف واللقاحات بأسعار مدعومة، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الخارجية بمجرد استقرار الأوضاع الأمنية.
ويُعد قطاع الثروة الحيوانية في دارفور أحد الركائز الأساسية للاقتصاد السوداني، إذ تسهم الماشية بنحو 20% من الناتج المحلي، وتعتبر مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية عبر التصدير. غير أن استمرار الحرب وغياب السياسات الداعمة ينذران بانهيار هذا القطاع الحيوي، الذي طالما مثّل شريان الحياة لسكان الإقليم.