اتساع الفجوة في سعر الدولار والعملات الأجنبية في السودان بين السوق الموازي وأسعار البنوك

0 1٬879

اختلال نقدي هيكلي يعمّق الأزمة الاقتصادية ويكسر سعر الصرف الرسمي مقابل السوق الموازي


يتسع الفارق بين سعر الدولار الأمريكي وسائر العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني في السوق الموازي مقارنة بالأسعار المعلنة في البنوك الرسمية بوتيرة غير مسبوقة خلال عام 2025، في مؤشر اقتصادي خطير يُظهر فقدان التوازن النقدي داخل البلاد في ظل استمرار الصراع والحرب منذ أبريل 2023، وتراجع عميق في الإنتاج والصادرات، إضافة إلى ضعف دور البنوك في السيطرة على سوق النقد الأجنبي.

وتظهر البيانات اليومية أن السوق الموازي أصبح المرجع العملي لسعر صرف العملات بالنسبة لمعظم المتعاملين والتجار، بينما ظل سعر المصارف الرسمية بعيدًا عن واقع العرض والطلب، ما أدى إلى فجوة تمتد أحيانًا إلى أكثر من 30٪ أو أكثر بين السعرين، بحسب أرقام الشهرين الماضيين.

سعر الدولار الرسمي في البنوك مقابل السوق الموازي

أسعار البنوك الرسمية

وفق بيانات مؤسسات نقدية ومصارف سودانية، يختلف سعر الدولار في البنوك بحسب المؤسسة، لكنها تبقى ضمن نطاق سعر رسمي منخفض مقارنة بالسوق الموازي، إذ يتراوح سعر الدولار الأمريكي في البنوك بين:

  • بين 2400 و2418 جنيهًا سودانيًا في بنك الجزيرة السوداني الأردني كأحد الأسعار الرسمية المرجعية.
  • وتختلف الأسعار في مؤسسات أخرى بمحافظات مختلفة حسب الحسابات اليومية أو نشرة المصرف، لكن يبقى السعر الرسمي غالبًا أقل من 2500 ج.س. للدولار.

وتشير بيانات مصرفية أخرى إلى أن سعر صرف الدولار في بعض البنوك منتصف 2025 كان:

  • في بنك فيصل أن السعر كان شراء 2150 ج.س. وبيع 2166 ج.س. تقريبًا.

أي أن البنوك الرسمية تُعلن سعر الدولار في نطاق 2,150 – 2,420 جنيه سوداني تقريبًا، وقد يعده البعض أقل من الواقع اليومي للسوق.

وبالنسبة لبعض العملات الأخرى في البنوك، مثلاً:

  • اليورو يتراوح بين 2,440 – 2,458 ج.س. في بيانات بنك فيصل.
  • الريال السعودي من 573 – 577 ج.س. تقريبًا.

أسعار السوق الموازي

في المقابل، تشير تقديرات متعاملين في السوق السوداء إلى أن متوسط سعر الدولار في السوق الموازي تجاوز حدود 3,000 جنيه سوداني خلال الأشهر الماضية، وغالبًا كان:

  • حوالي 3,170 جنيهًا للسعر الموازي للدولار الأمريكي في تعاملات منتصف أغسطس 2025.

وبعض التقارير غير الرسمية تشير إلى أن السعر قد يرتفع ويتذبذب بين 3,000 و3,200 جنيه أو أكثر في

السوق غير الرسمي، بحسب العرض والطلب وحالة السيولة في الوقت الفعلي.

وبالنسبة لعملات أخرى، فإن نفس السوق يشهد ارتفاعات مماثلة، حيث تكون أسعار العملات الأجنبية الأخرى بنسب أعلى من تلك المعلنة في البنوك.

حجم الفجوة ودرجة اتساعها

بحسب المقارنة بين السعرين:

  • الفجوة بين سعر الدولار في السوق الموازي والسعر الرسمي في البنوك قد تصل أحيانًا إلى أكثر من 30٪ أو أعلى، عندما يدور السعر الرسمي حول 2400–2500 ج.س. مقابل السوق الموازي فوق 3200 ج.س.
  • بعبارة أخرى، المواطن أو التاجر الذي يريد الحصول على دولار عبر السوق الموازي يدفع أكثر بما يقارب 700–800 جنيه سوداني إضافي على كل دولار مقارنة بالسعر الرسمي.

وهذه الفجوة تتسع وتضيق تبعًا لعدد من العوامل الاقتصادية والسياسية، لكنها لا تتجه نحو الاندماج بين السعرين، بل بقيت متباعدة بفارق كبير لشهور متتابعة.

ما الذي سبب اتساع الفجوة؟

ضعف موارد النقد الأجنبي

من أهم أسباب اتساع الفجوة هو النقص الحاد في موارد النقد الأجنبي داخل النظام المصرفي، إذ تقلصت موارد مثل العائدات من الصادرات (ومنها الذهب، ومنتجات زراعية)، كما تقلصت تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، ما جعل البنوك عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد على العملة الصعبة.

مع الحرب التي مست العديد من قطاعات الإنتاج، أصبح المستوردون والشركات يعتمدون بشكل أساسي على السوق الموازي للحصول على العملات الأجنبية التي يحتاجونها لاستيراد السلع الأساسية، ما دفع الطلب في السوق الموازي أعلى، بينما ظل المعروض من العملة في البنوك محدودًا.

الحرب وتأثيرها على الاقتصاد

لا يمكن فصل الوضع النقدي عن البيئة الأمنية والاقتصادية الراهنة في السودان، حيث تُضعف الحرب الإنتاج، وتعطل النشاط التجاري، وتقلل من تدفق النقد الأجنبي إلى البلاد. كما أنها ترتبك السياسات الاقتصادية والمالية، ما يجعل البنك المركزي غير قادر على الاحتفاظ بضوابط صارمة على الأسواق.

الحرب أيضًا تزيد من حالة عدم اليقين في الاقتصاد، ما يدفع الأفراد والشركات إلى التحوط عبر الاحتفاظ بالدولار والعملات الأجنبية بدل الجنيه السوداني، ما يضغط على الطلب ويضعف الجنيه.

ضعف الجهاز المصرفي وقنوات التحويل الرسمية

القطاع المصرفي في السودان يعاني من نقص في السيولة، انقطاع الخدمات في بعض المناطق، وتعطل حركية التحويلات الخارجية، مما يجعل المعتادين على التعامل بالدولار والتحويلات الخارجية يجدون صعوبة في الحصول عليه عبر البنوك، فتتجه المعاملات إلى السوق الموازية التي توفر الدولار بسرعة، رغم ارتفاع السعر.

وقد ظل الجهود الرسمية لمكافحة السوق غير الرسمي عبر الإجراءات الأمنية أو التحفيزات ضئيلة التأثير، لأن العرض الرسمي محدود، في حين الطلب في السوق كبير ومستمر.

المضاربة وفقدان الثقة

المضاربون في السوق هم جزء من المشكلة وليس فقط نتيجة لها: إذ يستفيد بعض تجار العملة ومضاربو النقد الأجنبي من حالة عدم الاستقرار لرفع الأسعار وتحقيق أرباح عالية، مستغلين ضعف الرقابة ومحدودية المعروض.

كذلك فإن فقدان الثقة في الجنيه السوداني يدفع الكثير من المواطنين إلى الاحتفاظ بالدولار أو العملات الأجنبية حتى كأداة للادخار، ما يزيد من الطلب على العملات الصعبة ويمد الفجوة بين السعر الرسمي والموازي

آثار الفجوة على الاقتصاد والسودانيين

ارتفاع الأسعار والتضخم

الفجوة بين السعرين ليست مجرد أرقام في السوق، بل لها تأثير مباشر على أسعار السلع والخدمات، لأن معظم المستوردين يستخدمون سعر السوق الموازي في تسعير تكلفة السلع المستوردة، ما يؤدي إلى ارتفاع عام في أسعار المواد الاستهلاكية، وفي نهاية المطاف إلى زيادة التضخم.

تآكل القوة الشرائية

مع ارتفاع سعر الدولار في السوق غير الرسمي، تتراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية بشكل سريع، ما يقلص القوة الشرائية للمواطنين، ويزيد من تكاليف الحياة اليومية، ويضغط على ميزانية الأسر التي تتعامل أساسًا بالجنيه المحلي.

إعاقات أمام الاستثمار والتخطيط

يواجه المستثمرون والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ضغوطًا كبيرة في التخطيط المالي، لأن التباين الكبير بين السعر الرسمي والسوق الموازي يجعل من الصعب تقدير التكاليف المستقبلية أو المخاطر، ويحدّ من الاستثمار المحلي والأجنبي في ظل غياب أسعار صرف مستقرة.

توسع الاقتصاد غير الرسمي

الفجوة الكبيرة في أسعار الصرف تسهم في توسيع دائرة الاقتصاد غير الرسمي، حيث يفضل الكثير من المتعاملين تجاوز البنوك الرسمية لتفادي القيود والتكاليف المرتفعة عند التعامل المصرفي. وهذا يُضعف الإيرادات الحكومية ويحدّ من قدرتها على مراقبة وتحصيل الضرائب.

سيناريوهات مستقبلية

1. استمرار الفجوة وارتفاعها

في حال استمرار الأوضاع الراهنة دون إصلاحات نقدية أو انتظام في الموارد الأجنبية، من المتوقع أن تبقى الفجوة بين سعر الدولار في السوق الموازي والبنوك قائمة أو تتوسع، مما يعني استمرار الضغوط التضخمية وتراجع الجنيه.

2. حلول محتملة — الإصلاح النقدي

اقتصاديون يرون أن إدارة الفجوة تتطلب إصلاحات نقدية شاملة تشمل:

  • توحيد سعر الصرف تدريجيًا وفق آليات شفافة للسوق.
  • تشجيع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية بأسعار منافسة.
  • تعزيز موارد النقد الأجنبي (الصادرات والتحويلات).
  • تحسين فعالية البنوك وقدرتها على توفير النقد الأجنبي.
  • رفع الثقة في السياسة النقدية عبر استقرار سياسي نسبي.

إن اتساع الفجوة بين سعر الدولار والعملات الأجنبية في السوق الموازي مقابل البنوك في السودان يعكس تراكم اختلالات اقتصادية ونقدية نتيجة صراع مستمر، وهي مؤشر واضح على تدهور الجنيه السوداني وفقدان أدوات فعالة لضبط سعر الصرف.

هذه الفجوة لا تقتصر على أرقام صرف مجردة، بل لها تأثيرات واسعة تمتد إلى التضخم، القوة الشرائية، الاستثمار، والاقتصاد غير الرسمي بشكل عام. وفي ظل عدم استقرار مصادر النقد الأجنبي، فإن الحلول تتطلب تدخلات هيكلية وجذرية لتعزيز الاستقرار النقدي والاقتصادي في السودان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا