أخبار السوداناخباراقتصاد

الدولار يرتفع لأرقام قياسية تراجع الجنيه السوداني وخبراء يتوقعون القادم

يعيش السودان أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم يومًا بعد يوم، مع استمرار انهيار قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، لتتسع الفجوة بين السعر الرسمي المعلن من البنوك والسعر الفعلي في السوق الموازي إلى مستويات غير مسبوقة، تتجاوز الألف جنيه للدولار الواحد، مما ينذر بموجة غلاء جديدة تطال جميع السلع والخدمات في البلاد.

 

تشير النشرات الرسمية الصادرة عن بنك الخرطوم بتاريخ الأحد العاشر من مايو عام 2026، إلى أن سعر صرف الدولار الأميركي في المصارف يتراوح بين 3194 جنيهاً للشراء و3375 جنيهاً للبيع، في حين أن السوق الموازي يسجل أرقاماً مختلفة تماماً حيث تجاوز سعر الشراء حاجز الأربعة آلاف وثلاثمائة جنيه، بينما بلغ سعر البيع نحو أربعة آلاف ومئة وخمسين جنيهاً، أي بفارق يصل في بعض الحالات إلى أكثر من ألف ومئة جنيه للدولار الواحد فقط.

 

إعلان

هذه الفجوة الهائلة بين السعرين تعكس حالة من التشوه الهيكلي في سوق الصرف السوداني، وتكشف عن عجز النظام المصرفي عن تلبية احتياجات المواطنين والمستوردين من العملة الصعبة، مما يدفعهم حتماً إلى اللجوء إلى السوق الموازي حيث تتحكم قوى السوق والمضاربون في تحديد الأسعار دون رقابة أو ضوابط.

 

ويعود السبب المباشر لهذا الانهيار المتسارع للجنيه السوداني إلى عوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها استمرار الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عامين، والتي أدت إلى توقف معظم المصانع والمنشآت الزراعية الكبرى، وتدمير البنية التحتية، وانخفاض حاد في الصادرات التي كانت تشكل المصدر الرئيسي لجلب العملات الأجنبية، خاصة الذهب والصمغ العربي والسمسم والقطن.

 

كما تأثر الجنيه السوداني بشدة بالتطورات الجيوسفاسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً أزمة مضيق هرمز التي بدأت منذ نهاية فبراير الماضي، حيث أدى إغلاق المضيق أكثر من مرة إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً وزيادة الطلب على الدولار في جميع دول العالم، وهو ما انعكس سلباً على الاقتصاد السوداني المستورد لمعظم احتياجاته من الوقود والسلع الأساسية.

 

ولم يقتصر الأمر على العوامل الخارجية فحسب، بل تفاقمت الأزمة بسبب توقف التحويلات المالية من المغتربين السودانيين في الخارج، الذين كانوا يشكلون شبكة أمان حقيقية للجنيه، وذلك بعد أن توقفت الكثير من البنوك عن العمل وانقطعت خدمات الاتصالات في مناطق واسعة من البلاد، مما جعل تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية شبه مستحيل.

 

في المقابل، ارتفع الطلب على الدولار بشكل كبير لاستيراد السلع الأساسية التي يعتمد عليها السودانيون في حياتهم اليومية، مثل القمح والدقيق وزيت الطعام والأدوية والمستلزمات الطبية وقطع غيار السيارات والوقود، حيث تستورد البلاد ما يصل إلى خمسين بالمئة من احتياجاتها من القمح، وسبعين بالمئة من زيت الطعام، وتسعين بالمئة من الأدوية، وجميع احتياجاتها تقريباً من قطع الغيار.

 

هذا الطلب المتزايد على العملة الصعبة مقابل تراجع حاد في المعروض منها، خلق خللاً كبيراً في ميزان المدفوعات، ودفع الأسعار في السوق الموازي إلى مستويات قياسية تجاوزت الأربعة آلاف جنيه للدولار الواحد، وهو رقم لم يكن يتوقعه أحد قبل عامين فقط، حين كان الدولار لا يتجاوز الثمانمائة جنيه في السوق الموازي.

 

ما يعنيه هذا الانهيار في القيمة الشرائية للجنيه السوداني هو أن الأسرة التي كان دخلها الشهري يبلغ مئة وخمسين ألف جنيه قبل الحرب كانت تستطيع شراء نحو مئتي دولار، في حين أن هذا الدخل نفسه اليوم لا يشتري أكثر من خمسة وثلاثين دولاراً فقط، أي أن القوة الشرائية للمواطن السوداني انهارت بنسبة تفوق الثمانين بالمئة خلال أربع وعشرين شهراً فقط، وهي نسبة لم تشهدها دول كثيرة في العالم حتى في ظل الحروب والكوارث.

 

بطبيعة الحال، فإن هذا الانهيار في قيمة العملة المحلية سينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، حيث يتوقع مراقبون أن تشهد الأسواق المحلية موجة غلاء جديدة قد تكون الأقسى منذ اندلاع الحرب، وذلك لأن التجار يضطرون لرفع أسعار بضائعهم لتتناسب مع سعر صرف الدولار الحقيقي في السوق، مضيفين إليها هامش ربح إضافي تحسباً لمزيد من التدهور في قيمة الجنيه خلال الفترة القادمة.

 

يتوقع أن تشهد السلع الأكثر اعتماداً على الاستيراد زيادات كبيرة في أسعارها خلال الأيام القادمة، فارتفاع سعر الدولار إلى أربعة آلاف وثلاثمائة جنيه يعني أن سعر جوال الدقيق قد يقفز من عشرة آلاف جنيه إلى أربعة عشر ألف جنيه، وأن سعر جركن زيت الطعام قد يرتفع من خمسة وعشرين ألف جنيه إلى خمسة وثلاثين ألف جنيه، بينما قد تتضاعف أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب اعتمادها شبه الكامل على الاستيراد.

 

في المقابل، ومع استمرار الحرب وغياب حل سياسي يضع حداً لها، تبدو أي بوادر لتحسن سعر الصرف مستبعدة في المدى المنظور، فالحلول الحقيقية لأزمة الجنيه تتطلب أولاً وقف الحرب لإعادة الإنتاج وتشغيل المصانع واستئناف الصادرات، بالإضافة إلى ضخ سيولة دولارية جديدة من الجهات المانحة أو عبر تسهيلات ائتمانية، وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي ليكون أكثر قدرة على السيطرة على السوق الموازي وتضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي.

 

غير أن هذه الحلول كلها تبدو بعيدة المنال طالما استمرت الحرب في تدمير ما تبقى من مقدرات البلاد، ويبقى المواطن السوداني وحيداً في مواجهة موجة غلاء جديدة تضاف إلى معاناته اليومية المتصاعدة، ولا يملك سوى الانتظار والصبر على أمل أن تأتي أيام أفضل، وأن تلتفت الحكومة والجهات المنظمة إلى ضرورة التدخل العاجل لتثبيت سعر الصرف وتوفير السلع الأساسية بأسعار مقبولة.

 

 

وهكذا يظل الدولار حكماً قاسياً على معيشة السودانيين، يواصل كسر الأرقام القياسية في أسعار الصرف، بينما تتهاوى قيمة الجنيه وتتراجع القدرة الشرائية للمواطن، في وقت تتسع فيه رقعة الفقر والجوع وتزداد أعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر يومًا بعد يوم، وسط غياب أي حلول جذرية أو رؤية واضحة لإنقاذ الاقتصاد السوداني من الهاوية التي يتجه إليها بخطى متسارعة.

سعر الدولار في بنك أمدرمان الوطني
سعر الدولار في بنك أمدرمان الوطني
سعر الدولار في بنك الخرطوم
سعر الدولار في بنك الخرطوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى