الإمارات لا حسم عسكريًا في السودان…وهذا هو الطريق لإيقاف الحرب..

0 2٬961




أكد الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن الحرب الدائرة في السودان لن تُحسم عسكريًا، واصفًا المشهد القائم بأنه «توازن ضعف» بين طرفين مسلحين تحيط بهما عشرات المليشيات المصطفة في معسكرين متقابلين، في صراع اتسم بوحشيته من الجانبين ودفع المدنيون ثمنه الأكبر. وقال قرقاش إن ما تشهده البلاد يعيد إنتاج مآسي السودان التاريخية، من جرائم ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر، إلى اتهامات باستخدام الجيش لأسلحة محرّمة ومجازر في إقليم الجزيرة، مؤكدًا أن الخاسر الوحيد في هذه الحرب هو الشعب السوداني.
وشدد قرقاش على أن المخرج الوحيد من هذه المأساة يتمثل في وقف فوري لإطلاق النار، والعودة إلى مسار سياسي واضح يقود إلى حكم مدني مستقل ضمن إطار زمني محدد يضفي المصداقية على العملية الانتقالية، إلى جانب مصالحة وطنية تقوم على العدالة والمحاسبة. واعتبر أن هذه الخطوات هي المدخل الطبيعي لإعادة الإعمار واستعادة السودان لدوره ومكانته إقليميًا ودوليًا.
وفي مقال نشرته صحيفة «الاتحاد» الإماراتية، تناول قرقاش تساؤلات متزايدة حول موقف دولة الإمارات من السودان وقضايا المنطقة عمومًا، في ظل حملة إعلامية وصفها بغير المسبوقة، تقودها جهات معروفة وأخرى قريبة. ودعا إلى قراءة هادئة للموقف الإماراتي بعيدًا عن السجال والانفعال، من خلال فهم السياق الاستراتيجي الذي يحكم السياسة الخارجية للدولة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن السياسة الخارجية الإماراتية شهدت منذ عام 2018 تحولًا لافتًا، تمثل في إنهاء الدور العسكري المباشر ضمن التحالف العربي في اليمن، بعد مساهمة إماراتية محورية في معارك مفصلية شملت تحرير عدن، ومواجهة تنظيم «القاعدة» في المكلا، وتأمين الساحل الغربي. واعتبر تلك المرحلة من أعقد فترات المنطقة، حيث تحملت الإمارات مسؤولياتها في مواجهة فوضى هددت أمن الإقليم.
وأشار إلى أن انحسار العمل العسكري رافقه انتقال إلى مرحلة «التحول الجيو-اقتصادي»، التي بات فيها تعزيز التنافسية الاقتصادية والاستقرار والانفتاح الاستثماري أولوية قصوى، وهو توجه تعزز مع جائحة «كوفيد-19» في عالم سريع التغير. ومع تولي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئاسة الدولة في 2022، دخلت الإمارات مرحلة «نهضة متجددة» ترتكز على دور دولي فاعل، واقتصاد إقليمي رائد، ومنظومة استثمارية عالمية، وطموح تكنولوجي متقدم، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي كجزء لا يتجزأ من معادلة الأمن الوطني.
وتوقف قرقاش عند تداعيات السابع من أكتوبر وما تبعه من تصعيد إقليمي، مشيرًا إلى الدور الإماراتي في الجهود الدبلوماسية المعقدة الرامية إلى وقف إطلاق النار في غزة، إلى جانب كونها من أكبر الداعمين إنسانيًا للشعب الفلسطيني «بالفعل لا بالشعارات»، على حد تعبيره.
وفي ما يتعلق بالسودان، قال قرقاش إن الانقلاب على الحكم المدني الانتقالي في عام 2021 كان جرس إنذار مبكرًا تجاهله المجتمع الدولي، رغم ما حمله من مؤشرات خطيرة. وكشف عن جهود إماراتية مكثفة في تلك المرحلة للتقريب بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، في محاولة لتفادي الانفجار العسكري الذي وقع لاحقًا.
واعتبر أن تعقيد المشهد السوداني يعود إلى طبيعة المؤسسة العسكرية التي تأدلجت على مدى ثلاثة عقود في ظل حكم الرئيس السابق عمر البشير وتحالفه مع تيار «الإخوان»، مقابل قوة مسلحة أخرى وُلدت من رحم الجيش نفسه. وقال إن هذا الواقع يجعل الاعتقاد بإمكانية الحسم العسكري لأي طرف «وهمًا»، وهو ما أكدته تطورات الميدان.
وبناءً على هذا التقدير، أوضح قرقاش أن الإمارات شاركت ودعمت مختلف المبادرات الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب، من منابر جدة والبحرين وجنيف، إلى الاتصالات الثنائية، مشيرًا إلى أن القرار داخل المؤسسة العسكرية السودانية ظل أسير حسابات أيديولوجية ضيقة، في تكرار لتجارب سودانية سابقة اتسمت بازدواجية السلطة وغموض القرار.
ورفض قرقاش التشكيك في دوافع اهتمام الإمارات بالسودان، معتبرًا أن أمن المنطقة مترابط، وأن الدعوة إلى الحياد ووقف الحرب ليست موقفًا انتقائيًا، بل قراءة واقعية تضع مصلحة السودان فوق الاصطفافات. وأكد أن اعتبار الجيش وقوات الدعم السريع طرفين في نزاع مسلح هو توصيف موضوعي يقود إلى استنتاج واضح مفاده أن الحكم المدني المستقل هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.
وربط هذا القلق بتجربة «حكم الإنقاذ» التي قادت السودان إلى حرب أهلية وعزلة دولية وتحوله إلى ملاذ للتطرف، وهي تجربة دفعت القوى المدنية نفسها إلى الاتفاق على ضرورة إبعاد تيار «الإخوان» عن الحكم والحياة السياسية.
واختتم قرقاش بالإشارة إلى بيان «الرباعية» الصادر في سبتمبر 2025، والذي يضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، واصفًا إياه بأكثر المبادرات واقعية وجدية لوقف الحرب، عبر مقترح شامل يتضمن هدنة إنسانية، وضمان وصول المساعدات في ظل أزمة غير مسبوقة، ومسار تفاوضي يقود إلى انتقال مدني مستقل ضمن جدول زمني محدد. وأكد أن رفض هذه الخريطة من قبل الجيش وحلفائه الأيديولوجيين يعكس استمرار أوهام العودة إلى الحكم العسكري، رغم أن التاريخ السوداني حافل بإسقاط هذه النماذج في أعوام 1964 و1985 و2019.
ورغم التعقيدات، شدد قرقاش على أن الإمارات ستواصل انخراطها السياسي والإنساني، مؤكدًا أنها من أكبر الداعمين للإغاثة في السودان في مواجهة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم اليوم، وأن جهودها ستستمر رغم التحديات والصعوبات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

لا يمكنك نسخ هذا المقال لانه محمي بحقوق نشر قم بمشاركة المقال اذا ارت مشاركته في مكان اخر . وشكرا