تحركات حفتر الجديدة في الجنوب الليبي سباق نفوذ إقليمي وتداخلات مع الحرب السودانية
يشهد الجنوب الليبي منذ أسابيع سلسلة تحركات عسكرية وسياسية متسارعة يقودها المشير خليفة حفتر، في سياق إقليمي بالغ التعقيد تتداخل فيه ملفات ليبيا مع الحرب الدائرة في السودان، والتحركات التشادية، وتوسع النفوذ الإماراتي في عمق المثلث الحدودي بين ليبيا والسودان ومصر. ويكشف تقرير حديث صادر عن موقع “أفريكا إنتلجنس” عن مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة داخل قوات حفتر، تؤكد أن فزان لم تعد مجرد جغرافيا نائية، بل تحولت إلى ساحة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح إقليمية ودولية، وسط تصاعد الصراع على الممرات الصحراوية ومسارات الإمداد الممتدة نحو السودان وتشاد.
تبدأ الخلاصة الأساسية للتقرير من نقطة مفصلية، وهي أن الجنوب الليبي خلال العامين الماضيين أصبح منصة لوجستية أساسية لصراعات تتجاوز حدود ليبيا التقليدية. فالحرب السودانية التي انفجرت في أبريل 2023، ثم توسعت نحو دارفور وكردفان والحدود الغربية، أعادت تعريف أهمية فزان بالنسبة للعديد من الأطراف، في مقدمتها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وقوات حفتر، ومجموعات التهريب الصحراوية، إلى جانب القوى الإقليمية وعلى رأسها الإمارات ومصر وتشاد. هذا التحول جعل أي إعادة انتشار أو إعادة تنظيم داخل الجنوب الليبي مسألة تتجاوز الحسابات المحلية، إذ ترتبط مباشرة بتوازنات القوة على مستوى الإقليم.
وبحسب المعلومات التي أوردها التقرير، فقد شرعت قيادة قوات الشرق قبل ثلاثة أسابيع في تنفيذ عملية إعادة تنظيم واسعة داخل هياكلها الأمنية في الجنوب، تستهدف إعادة توزيع مراكز النفوذ وتقليص احتكار كتيبة “سبل السلام” للقرار الأمني في فزان، وهي الكتيبة التي تمثل لعقود واحدة من أبرز القوى الفاعلة داخل الكفرة وتمتلك امتدادًا اجتماعيًا واسعًا داخل قبيلة الزوي، إحدى أبرز المكونات السكانية في المنطقة. ولم يكن هذا التغيير مفاجئًا بقدر ما كان هو المتوقع، في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها قوات حفتر في الجنوب، سواء نتيجة توسع نشاط الدعم السريع في مناطق قريبة من الحدود الليبية، أو بسبب تصاعد التحركات الإماراتية التي تحاول إعادة رسم ملامح النفوذ العسكري داخل الجنوب بما يخدم مصالح أبوظبي الإقليمية.
التقرير يوضح أن إعادة الهيكلة لم تستهدف إضعاف كتيبة سبل السلام بقدر ما هدفت إلى خلق توازن قوى جديد، من خلال إدخال وحدات أخرى مثل الكتيبة 166 بقيادة أيوب الفرجاني، واللواء 87 بقيادة محمد مزوغي، الذي تشير مصادر أمنية إلى أنه تلقى تدريبًا متقدمًا في بيلاروسيا ويعد من الضباط المقربين للإمارات. وفي حين أن البعض رأى أن إدخال هذه التشكيلات يشكل تقليصًا لنفوذ سبل السلام، إلا أن التقرير يشير إلى أن وزنها في الجنوب لا يزال محوريًا، خاصة مع دورها في تأمين “مثلث السارة” الذي يشهد إعادة تأهيل لقاعدة جوية تشرف عليها الإمارات بصورة مباشرة ضمن مخطط أوسع لمدّ نفوذها باتجاه الرمال العميقة لليبيا وتشاد والسودان.
وتحتل منطقة مثلث السارة أهمية متزايدة على خلفية الحرب السودانية، إذ سيطرت عليها قوات الدعم السريع في يونيو الماضي اعتمادًا على خطوط إمداد قادمة من الكفرة، وهو ما يوضح كيف أن الجنوب الليبي أصبح جزءًا من مشهد الإمداد العسكري في السودان وليس مجرد حدود جغرافية. وقد وثق التقرير تنفيذ غارة جوية داخل الأراضي السودانية في نوفمبر استهدفت قافلة تابعة لسبل السلام، وحمّلت أطراف ليبية مسؤوليتها للجيش المصري، وهو ما أثار حالة من القلق وجعل العديد من المجموعات الليبية تتراجع مؤقتًا عن المشاركة في عمليات النقل والإمداد خوفًا من تعرضها لقصف مماثل. وتشير هذه الحادثة إلى تغيّر خطير في قواعد الاشتباك، إذ أصبحت ليبيا، ولو بشكل غير مباشر، جزءًا من مسرح العمليات المرتبطة بالحرب السودانية.
وفي سياق متصل، يعرض التقرير قراءة موسعة للموقف المصري الذي بات أكثر حساسية تجاه ما يجري في السودان. فمع اتساع سيطرة الدعم السريع وسقوط الفاشر في يد قوات حميدتي، تتزايد المخاوف في القاهرة من سيناريوهات تفكك السودان والتي تحمل تداعيات جيوسياسية خطيرة بالنسبة للأمن المصري، سواء في ما يتعلق بالنزوح المحتمل أو تمدد الجماعات المسلحة أو تغير خريطة التحالفات الإقليمية. هذا القلق جعل الجنوب الليبي نقطة مراقبة حساسة بالنسبة لمصر، خاصة مع تحول خطوط الإمداد التقليدية المرتبطة بالكفرة نحو الحدود التشادية في الأسابيع الأخيرة، وهو ما يعني أن القاهرة تراقب من بعيد المشهد الذي يتشكل داخل فزان وامتداداته نحو السودان.
ويتناول التقرير نقطة أخرى شديدة الأهمية، وهي إعلان صدام حفتر والرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في منتصف نوفمبر تشكيل قوة مشتركة لتأمين الحدود، في خطوة وصفها التقرير بأنها ليست مجرد تعاون أمني عابر، وإنما جزء من شبكة التحالفات الإقليمية التي ترعاها الإمارات بصورة متصاعدة. وترى مصادر مطلعة أن هذه القوة المشتركة هي محاولة لإعادة ضبط حدود ليبيا وتشاد التي أصبحت خلال الأشهر الماضية ممرًا حيويًا لقوات الدعم السريع، كما تشكل بالنسبة لحفتر فرصة لتثبيت نفوذه في العمق التشادي، وهي منطقة لطالما كانت مجالًا تقليديًا لنفوذ المعارضة التشادية المسلحة.
ولا يكتفي التقرير بالجانب العسكري، بل يتطرق إلى ما يسميه “الدور الدبلوماسي الخفي” الذي تمارسه الإمارات داخل ليبيا، حيث رصدت حركة غير اعتيادية خلال الأسابيع الماضية تمثلت في هبوط طائرة خاصة مرتبطة بعائلة حفتر في مطار بنينا قادمة من دبي، إضافة إلى زيارات سرية لضباط إماراتيين إلى الرجمة، ولقاءات جمعت حفتر وشخصيات استخباراتية إماراتية. وتشير هذه التحركات إلى أن أبوظبي أصبحت تُدير عمليًا جزءًا من الملف الأمني في الجنوب الليبي، إما عبر الدعم المباشر لتشكيلات محلية، أو عبر بناء قواعد لوجستية يمكن استخدامها مستقبلًا في إدارة النفوذ الإماراتي في منطقة الساحل والصحراء.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد السياسي الداخلي في ليبيا، خصوصًا في الشرق الذي شهد موجة احتجاجات واسعة خلال الفترة الماضية للمطالبة بإنهاء الانقسام وتسريع مسار الانتخابات. ويوضح التقرير أن حفتر يجد نفسه أمام معادلة صعبة: فهو من جهة يسعى إلى توسيع نفوذه العسكري في الجنوب وترتيب ملفاته الأمنية والإقليمية، ومن جهة أخرى يواجه ضغوطًا شعبية وسياسية داخلية تدفع نحو إنهاء المرحلة الانتقالية، ما يجعل عملية إعادة هيكلة الجنوب إحدى الأدوات التي يستخدمها لتعزيز موقعه في أي ترتيبات سياسية قادمة.
ويخلص تقرير “أفريكا إنتلجنس” إلى نتيجة باتت واضحة في السنوات الأخيرة: فزان لم تعد مسرحًا محليًا معزولًا، بل تحولت إلى ساحة دولية تتحرك فيها الأطراف الإقليمية بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات الليبية على ضبطها. ومع اشتداد الحرب في السودان وتزايد التحركات الإماراتية وتعقّد العلاقة بين حفتر وتشاد ومصر، يبدو أن الجنوب الليبي يدخل مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ ستحدد مساره لسنوات قادمة، وربما ستجعل منه النقطة الأكثر حساسية في المشهد الليبي والإقليمي على حد سواء.