أوامر قبض في مواجهة مستشار رئيس الوزراء ومدير مكتبه
في تطور لافت يعكس تزايد الاحتقان بين بعض أجهزة الدولة والمؤسسة الصحفية، كشفت صحيفة مصادر عن صدور أوامر قبض من نيابة جرائم المعلوماتية في مواجهة ثلاثة مسؤولين بارزين في مكتب رئيس الوزراء، هم: مستشار رئيس الوزراء محمد محمد خير، ومدير مكتب رئيس الوزراء نزار عبدالله، ومدير وكالة أنباء السودان “سونا” إبراهيم موسى.
تأتي هذه الإجراءات إثر البلاغ الذي تقدم به الصحفي عزمي عبدالرزاق، على خلفية تصريحات صدرت من مكتب رئيس الوزراء ومستشاره السياسي، اتهمت الصحفي بتنفيذ “أجندة لخدمة المليشيا المتمردة”، بعد نشره انتقادات لأداء رئيس الوزراء ومطالبته برحيله.
وبحسب التفاصيل، فإن الصحفي عزمي كان قد دوّن عدة بلاغات ضد المسؤولين الثلاثة بدعوى الإساءة والتشهير، مما دفع نيابة جرائم المعلوماتية لإصدار أوامر القبض بغرض التحقيق في ما ورد من اتهامات. وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه المشهد الإعلامي والصحفي حالة من التوتر، خصوصاً مع تزايد النقد الموجه إلى السلطة التنفيذية، وتعدد الشكاوى من التضييق على الصحفيين.
غير أنّ رئيس الوزراء كامل إدريس تدخل بصورة مباشرة، وأصدر توجيهات واضحة بشطب جميع البلاغات المقدمة ضد الصحفيين، وعلى رأسهم عزمي عبدالرزاق، مؤكداً أن حكومته ملتزمة التزاماً كاملاً بحرية العمل الصحفي واحترام دور الإعلام في الرقابة والنقد. وشدد إدريس على ضرورة أن يعمل الصحفيون “بروح وطنية ومسؤولية” لخدمة البلاد وتجاوز التحديات.
هذا التدخل السريع من رئيس الوزراء اعتُبر محاولة لاحتواء الأزمة وتهدئة المخاوف المتزايدة بشأن علاقة الحكومة بالمؤسسات الإعلامية، كما أعاد طرح النقاش حول الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتجريح، وبين حق الصحافة في المساءلة وحق المسؤولين في الرد.
ورغم أن توجيه رئيس الوزراء بشطب البلاغات أسهم في خفض التوتر، إلا أن القضية كشفت عن هشاشة العلاقة بين السلطة التنفيذية وبعض الأصوات الإعلامية الناقدة، وفتحت الباب أمام مطالبات أوسع بإصلاح منظومة التشريعات المتعلقة بالعمل الصحفي، وضمان عدم استخدام القوانين المتعلقة بالمعلوماتية كأداة للضغط أو الترهيب.
كما دعا عدد من الصحفيين إلى ضرورة تأسيس بيئة إعلامية صحيّة تتيح النقد دون خوف، وتضمن للمسؤولين في الوقت نفسه حق الرد المؤسسي بعيداً عن الاتهامات غير المستندة إلى أدلة. بينما يرى آخرون أن الأزمة الحالية تعكس صراعاً أعمق حول حرية التعبير في ظرف سياسي حساس يمر به السودان، مما يستدعي من الحكومة تعزيز مبدأ الشفافية والانفتاح على الآراء المختلفة.
وبينما تستمر ردود الفعل داخل الوسط الصحفي، بدا واضحاً أن خطوة رئيس الوزراء حملت رسالة مزدوجة: تأكيد احترام حرية الصحافة من جهة، ومحاولة استعادة الثقة المتراجعة بين الحكومة ووسائل الإعلام من جهة أخرى. ومع ذلك، يظل مستقبل العلاقة بين الطرفين مرهوناً بمدى التزام المؤسسات الرسمية بعدم تكرار الخطاب الذي يشيطن النقد أو يصنف الآراء المعارضة باعتبارها “أجندة معادية”.
وتُعد هذه التطورات واحدة من أبرز القضايا التي تلقي الضوء على طبيعة المناخ الإعلامي في السودان خلال المرحلة الحالية، حيث تتداخل التحديات السياسية والأمنية مع الحاجة الملحّة إلى صحافة قوية ومستقلة قادرة على أداء دورها دون قيود أو تدخلات تعيق رسالتها الأساسية.